الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / قراءة في زيارة بن سلمان لواشنطن!

قراءة في زيارة بن سلمان لواشنطن!

 

د. حامد أبو العز*

لا يمكن النظر إلى زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة الأميركية بوصفها حدثاً بروتوكولياً عادياً، ولا باعتبارها استمراراً للقاءات الدورية التي تُعقد بين الرياض وواشنطن كلما اقتضت المصالح المشتركة ذلك. فالزيارة جاءت في لحظة تتقاطع فيها التحولات الإقليمية مع تحولات داخلية أميركية عميقة، وفي ظل صراع دولي مفتوح بين القوى الكبرى، وتحديداً بين الولايات المتحدة والصين وروسيا. لكن أهمية الزيارة لا تكمُن في هذا الإطار الخارجي فقط، بل في أنها حملت وعداً، أو هكذا قُدِّم، بفتح باب بيع طائرات F-35 للمملكة، وكأن هذا الملف تحديداً هو العصا السحرية التي يمكن أن تعيد إنتاج “الاطمئنان الاستراتيجي” الذي اهتزّ في السنوات الأخيرة.
غير أن جوهر التحليل الاستراتيجي يبدأ من النقطة التي يُغفلها الكثيرون، إن الوعد الأميركي ببيع السلاح المتطوّر لم يكن يوماً تعبيراً عن تغيير حقيقي في بنية العلاقة، بل لطالما كان أداة سياسية تُستخدم لتعميق الارتباط وليس لتعزيز السيادة. وهنا تكمن المعضلة الكبرى في التعويل على واشنطن. فالتجارب التي عاشتها المملكة ودول المنطقة تُثبت أن الولايات المتحدة، رغم كل الشعارات، لم تُظهر يوماً التزاماً ثابتاً بالدفاع عن أمن حلفائها عندما يتعرّضون لتهديد فعلي.
ولعلّ الهجوم الشهير على منشآت أرامكو يمثّل النموذج الأكثر فجاجة في هذا السياق. فحين اخترقت المسيّرات والصواريخ الدفاعات التي تضم منظومات باتريوت وثاد الأميركية، وقف العالم يرى كيف تُصاب أكبر منشأة نفطية في العالم بالشلل، وكيف تصمت كل تلك المنظومات التي صُرفت عليها مليارات الدولارات. لم يكن الصمت صمت رادارات فقط، بل صمت استراتيجي كامل كشف هشاشة الرهان على القوة الأميركية كضامن مطلق للأمن. ولو كانت الولايات المتحدة تؤمن فعلاً بأن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمنها الحيوي، لكانت تعاملت مع الهجوم بوصفه استهدافاً مباشراً لها، لا مجرد حادث مؤسف يستحق إصدار بيان إدانة.

ad
لكن التجربة التاريخية تُظهر أن هذه ليست الحالة الوحيدة. فمنذ نهاية الحرب الباردة، وضعت الولايات المتحدة نصب أعينها هدفاً معلناً وأحياناً غير معلن وهو الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، ليس فقط في مواجهة أعدائها التقليديين، بل في مواجهة أي قوة عربية قد تتحول في المستقبل إلى منافس استراتيجي. هذا التفوق ليس قراراً سياسياً ظرفياً، بل عقيدة راسخة في البنتاغون والكونغرس ومراكز التفكير، تمتد عبر الإدارات الجمهورية والديمقراطية على حد سواء. ولهذا، فإن أي تسليح أميركي للدول العربية، مهما بدا متطوراً، يأتي دائماً مقيداً بشروط تقنية، وبنسخ أقل كفاءة من تلك المقدّمة لإسرائيل، وبآليات تحكم برمجية تضمن قدرة واشنطن على التحكم بمستوى أداء السلاح في أي لحظة.
هنا تكمن المفارقة الكبرى في الحديث عن F-35 فبينما تبدو الطائرة رمزاً لتقدم هائل في القدرات الجوية، تصبح في السياق الاستراتيجي جزءاً من لعبة أكبر هي لعبة السماح بتعزيز القدرات الدفاعية العربية بمقدار يحقق المصالح الأميركية ورؤية إسرائيل للأمن الإقليمي، دون أن يصل إلى الحدّ الذي يغيّر ميزان القوى أو يسمح بامتلاك استقلالية كاملة في العمل العسكري. ومن هنا نفهم لماذا تُربط صفقات كهذه عادة بمسارات سياسية أوسع، وبتفاهمات أمنية غير مُعلنة، وأحياناً بمتطلبات تطبيع أو تقارب مع إسرائيل، أو على الأقل الامتناع عن اتخاذ مواقف تتعارض مع مصالحها الاستراتيجية.
هذا ليس تحليلاً نظرياً، بل حقيقة أكّدتها سلوكيات الإدارات الأميركية المتعاقبة، خصوصاً إدارة دونالد ترامب. فترامب لم يكن سياسياً ينطلق من رؤية أميركية بحتة، بل من تناغم شبه كامل مع أجندة اليمين الإسرائيلي. لقد حوّل نفسه إلى منفّذ مباشر لرغبات تل أبيب، سواء من خلال الاعتراف بالقدس عاصمة لها، أو بمنحها ما لم تحصل عليه أي إدارة سابقة بشأن الجولان، أو في كيفية إدارته علاقات واشنطن بإيران. ومن أبرز الأمثلة اعترافه الصريح بأنه أشرف بنفسه على الهجمات ضد إيران في حزيران الماضي، وهو ما يكشف طبيعة اندماج الحسابات الأميركية بالحسابات الإسرائيلية، حتى عندما تقود هذه الحسابات إلى مغامرات يمكن أن تجرّ الولايات المتحدة إلى صراع لا يخدم مصالحها الوطنية بالضرورة.

بل إن ترامب ذهب أبعد من ذلك، عندما أفشل وخان بشكل مباشر الجهود الدبلوماسية التي كانت على وشك إطلاق الجولة السادسة من مفاوضات أميركية–إيرانية. كان العالم يقف على مشارف الجولة السادسة من المفاوضات، وكان من الممكن تجنّب الانزلاق إلى التصعيد الحالي، لكن قرار ترامب بتفضيل الرؤية الإسرائيلية للشرق الأوسط جعل من الولايات المتحدة طرفاً يُعرّض مصالحه للتآكل من أجل تأمين مصالح طرف آخر. والأسوأ أنه، بقراراته الانفعالية، منح إيران أساساً قانونياً لتقديم شكاوى دولية وتحميل واشنطن مسؤولية التصعيد، في إخلال واضح بمبدأ حسابات القوة التقليدية.
من هنا، يصبح القول إن الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة رهان محفوف بالخطر ليس جملة دعائية، بل استنتاجاً استراتيجياً مكتمل الأركان. فالدول التي تمتلك شبكة دفاعية تعتمد كلياً على مصدر واحد للسلاح، وتحديداً مصدر يضع أمن إسرائيل في رأس أولوياته، تجد نفسها عملياً بلا سيادة دفاعية حقيقية. وهذا ما يجعل كل صفقة، مهما بدا حجمها، مجرد رافعة جديدة لربط القرار العسكري العربي بمنطق المصلحة الأميركية–الإسرائيلية المشتركة.
إن القراءة الواقعية لما يجري تُحتم على الدول العربية إدراك أن المشهد الإقليمي يُعاد تشكيله من خلال ترتيبات طويلة المدى هدفها ليس حماية العرب، بل إدارة أمن المنطقة بما يخدم التفوق الإسرائيلي. وإذا استمرت الدول العربية في وضع كل استثماراتها الدفاعية في السلة الأميركية نفسها، فإنها ستجد نفسها في اللحظة الحاسمة عاجزة عن اتخاذ قرار مستقل، لأن قرار تشغيل سلاحها، وصيانته، وتحديثه، وتوجيهه، سيكون في يد من يملك مفاتيح التكنولوجيا وليس في يد من يملك المال.
ولهذا، فإن الطريق الوحيد للخروج من هذه الحلقة المفرغة يبدأ من بناء استقلالية استراتيجية حقيقية، وليس شكلية. استقلالية لا تبدأ بشراء المزيد من الأسلحة، بل بامتلاك القدرة على تصنيعها، وتطويرها، وتشغيلها دون إذن خارجي. استقلالية تقوم على موازنة العلاقات بين الشرق والغرب دون الارتهان لأي طرف، وعلى بناء منظومات دفاع إقليمية قادرة على سدّ الفجوات التي كشفتها الأحداث السابقة، وعلى إعادة تعريف مفهوم الأمن العربي بعيداً عن منطق “الحماية مقابل الولاء”.
إن اللحظة الراهنة ليست لحظة ثقة عمياء ولا لحظة تطمينات دبلوماسية، بل لحظة إعادة تقييم جذرية. فالخيانة الاستراتيجية التي تعرّضت لها دول غرب آسيا مراراً من قبل واشنطن لم تعد مجرد ذكرى، بل أصبحت جزءاً من بنية التفكير العربي تجاه الغرب. وما لم تُبنَ منظومة أمنية جديدة تقوم على توازن القوى والمصالح، فإن كل زيارة، وكل صفقة، وكل خطاب أميركي عن “الشراكة” سيبقى مجرد غلاف جميل لحقيقة مرة هي أن الهيمنة الإسرائيلية هي الهدف النهائي، وأن الغرب لن يتخلى عنها إلا إذا فقد القدرة على فرضها.
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل الصين معنية بالحرب القادمة على طهران؟

د. ادريس هاني* كعادته، يضعنا الباحث والصحفي الفرنسي المميز تيري ميسان أمام حقيقة ما يخفيه …