الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / ماالانجازات الصهيونية العظيمة بعد الصفعة في بيت جن؟!

ماالانجازات الصهيونية العظيمة بعد الصفعة في بيت جن؟!

خالــد شــحام!
يبدو وكأن التاريخ يستعيد الولادة مرة ثانية في المنطقة العربية ، فعندما كان العام 1917 هو العام الثابت في الذاكرة العربية لوعد بلفور الذي تعهد بجعل فلسطين العربية وطنا قوميا لليهود وتحويلها إلى محطة حراسة داخل البطن العربي ، يأتي اليوم وعدٌ جديدٌ اسمه غير المعلن هو وعد ترامب لتكريس نفس المأساة على مساحة عربية أكثر اتساعا ، الصورة العربية “الترند ” الأكثر تداولا هي صورة الأنقاض وحطام المنازل ، طرقات ممزقة وردم وأشلاء منازل وأكياس بلاستيكية للضحايا ، أحياء او اموات عالقون تحت الأنقاض ، صور ممتدة من غزة حتى سوريا ولبنان والسودان ، هذه هي البصمة الاسرائيلية وهذه هي تركتها حيثما مرت او حضرت ، ومع العدوان الذي حصل فجر الأمس على قرية بيت جن في جنوب سوريا ، يتضح من جديد أن طبخة السم الاسرائيلية –الأمريكية لم تستقر ولم تكف ، بل تجري على نطاق واسع ، طبخة لم تتوقف أوتركن إلى السلام كما ادعى الرئيس ترامب ، بل تمت جدولتها بعد الفشل الكبير لكل المخططات ، لم تكن اتفاقية وقف إطلاق النار في غزة ومهرجان شرم الشيخ إلا جزءا من تلك الخطة ، ومع كل محاولات التمدد الضخمة التي حملها جيش المخربين على كتفه والتي هي أكبر بكثير من حجمه وامكاناته ، لا يزال يواجه مقاومةً ورفضا رغما عن كل مؤشرات توقف الحياة في الخطاب الرسمي ، ففي غزة والضفة وسوريا ولبنان تنتفض الأرض في وجه الغزاة وتعلن بأنها لم ولن تستسلم مهما كان الثمن .
إن ما يسعى جيش المخربين والقتلة الى تكريسه في الذهن العربي والعالمي من خلال كل هذه الاعتداءات والجرائم هو نقاط ثلاث : أولها تأكيد اليد الطولى والسيطرة المطلقة على المنطقة العربية ، وثانيها استعادة صورة الهيبة والرهبة التي طالما لعب عليها قبل السابع من اكتوبر ، ثالثها تأكيد فكرة خطيرة وهي أن هذه الاعتداءات أصبحت حقا مشروعا (للدفاع عن النفس ) خارج الأرض الاسرائيلية يتوجب عليكم الاعتياد عليها ، وعلى الرغم مما يبدو أنه انتصارات واغتيالات وإزالة أية تهديدات إلا أن هذا الكيان يعاني من ثغرات ونقاط ضعف كبيرة مهما حاول التغطية عليها ، وهزيمته ليست شيئا مستحيلا.
طيلة الفترة التي اعقبت ما سمي “اتفاقية وقف اطلاق النار ” المخادعة والمرواغة وجيش المخربين يعربد ويستعرض عضلاته العسكرية شمالا ويمينا ، لكن واقعة الاعتداء الفاشلة على قرية بين جن في سوريا فجر الجمعة تسببت في إماطة اللثام عن كمية كبيرة من الانجازات العكسية لكل سياقات العربدة والاعتداء والاغتيال ، فما هي ؟ :

ad
1- على صعيد سوريا لقد اظهر المعتدون لكل الشعب السوري الطريقة السليمة للتعامل معهم وفتحوا عيون الشعب السوري على اهمية المواجهة والصد بحلتها الشعبية دون الحاجة إلى تنظيمات مسلحة أو كوادر عسكرية وعليهم الان أن يتحملوا تبعات هذا الباب وسوف يتكرر هذا المشهد بكثرة .
2-لقد تبين الان أن استمرار الزعرنة والتعالي والتهديد بضربة جديدة لإيران انقلب إلى استفزاز حقيقي وتعبئة شاملة داخل ايران ، وكما تنقل الأنباء فهنالك استعدادات ايرانية موسعة بصفقات تسليح وتحالفات وارتفاع سقف المواجهة الى المستوى الوجودي أو عكسه ، وفي حال ارتكب هؤلاء المجرمون فعلتهم ضد ايران فمن المؤكد انها مستعدة جيدا لتوجيه ضربات وسياسات مؤذية جدا للحف الاطلسي وللكيان الصهيوني .
3-على صعيد لبنان ستثبت الأيام بأن أماني الكيان في تشليح حزب الله من كوادره ومعداته وتحويله الى مكتب خدمات للجمهور اللبناني هو شيء مستحيل ، وأن فكرة الحرب للمرة الثانية على لبنان أصبحت مسألة تحتاج تفكيرا طويلا لأن حزب الله هذه المرة يعلم علم اليقين بأنها أصبحت مسألة وجود أو اندثار، والضربات التي تلقاها الحزب لم تكن إلا محفزا لإعادة بناء قوته وكوادره بطرق أفضل واقوى .
ad
4-على صعيد السياسات الاقليمية لقد أرسل الكيان المجرم من خلال كل هذه الاعتداءات أن فكرة التعايش والسلام معه هي مجرد قصة جديدة لليلى والذئب في السرير ، ومن يريد ان يرتكب خطيئة السلام مع هؤلاء عليه ان يفكر جيدا ألف مرة ، مع من سوف يجلس ويحقق السلام ؟ مع بن زفير القذر ام سموتريتش الذي يحتقر العرب ويطالب بإبادتهم أم الحاخام الرحيم يتسحاق يوسيف ؟ مع اي مجرم يمكن ان يتحقق هذا السلام وما هو نوعه وما هي متطلباته الإذلالية ؟
لقد بات من الواضح بأن كل اعتداء وكل اغتيال يرتكبه هؤلاء المجرمون ينقلب بشكل أو بآخر ضدهم وضد حلفهم ، لقد صرفوا أموالا طائلة وجندوا جندا عديدا ، لكن ذلك كله سينقلب عليهم حسرات وخسارة ، إنه الاقتراب العاجل من نهايتهم التي أصبحت أقرب مما نتخيل .
عبرة ذي القرنين تحيــا من جديد !
لا أحد بالضبط يعرف قصة الملك ذي القرنين ، الرجل الصالح والحكيم في زمانه ، كل المذكور لا يتعدى فتاتا من ذكر ، لكن هذا الفتات لم يوضع عبثـا ، بل تم وضعه ليكون جذوة النار في الحكمة الالهية التي تنير ظلمة الوعي البشري حتى نهايات الزمان ، لا تتعلق قصة ذي القرنين بحكاية مسلية وصراع بين الغيلان والأقوام الصالحين ، بل هي مرجع ودليل مشفر لا تفكه إلا النفوس المطلعة ، نلوذ به في حلكات الأيام وظلمات السنين كي نهتدي برحيق مختوم من تنزيل محكم جمع في داخله المعرفة العلمية مع حكمة البشر والعبرة الثابتة عبر القرون ، بلسم شافي في زمان أشد ما نحتاجه في حقبة الحملة الصليبية الصهيونية التي نعيشها ضد الإسلام والعروبة والأرض وفي زمان العربدة الاسرائيلية.
علم الكيمياء هو علم القوة عبر التاريخ ، ومن يتمكن منه فإنما يضع يده على مفاتيح كل شيء ، في قصة ذي القرنين تأتي الكيمياء لتقول بأنها علم قديم جدا أدركته الأمم الأولى حتى قبل أن تفهم لماذا يحدث مثل ذلك ، ولكن الأمر ليس مجرد كيمياء فقط ، بل هي العظمة الإنسانية وكيف يمكنها أن تتكرر عبر دورات التاريخ حيث لا ينفصم الماضي عن الحاضر ، عندما طلب ذو القرنين ممن استجاروا به لبى النداء بحكمته وعلمه فقال (ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلۡحَدِيدِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيۡنَ ٱلصَّدَفَيۡنِ قَالَ ٱنفُخُواْۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارٗا قَالَ ءَاتُونِيٓ أُفۡرِغۡ عَلَيۡهِ قِطۡرٗا ) .
في علوم اليوم يستخرج الحديد بطريقة الفرن العالي والذي هو برج حديدي قد يصل ارتفاعه نحو ثلاثين مترا ، في داخل الفرن يراكم مزيج من خام الهيماتايت الطبيعي الصخري المطحون مع الفحم ، تُشعل النار الشديدة أسفله ، ثم ينفخ الهواء من أسفل لكي يتوقد الفحم ويتوحش فينتزع الأكسجين من الهيماتيات ويحرر منه الحديد المنصهر ، ليس هذا فحسب بل إن نفخ الهواء في الحديد المصهور يؤكسد ويصرف كل الشوائب التي تضعف جسمه ونسيجه البلوري ، ذو القرنين طبق نفس المبدأ لاستخلاص وتقوية الحديد عندما طلب النفخ تحت النار ، ثم لتعزيز هذه البنية الفلزية طالب العاملين بصهر النحاس (القطر) وسكبه فوق الحديد المصهور ، وهذه الفعلة تترجم اليوم بمسماها الحديث تحت اسم السبيكة الفلزية ، والسبائك الفلزية هي خلائط من الفلزات المصهورة التي تمزج معا بنسب محددة لنحصل على معدن جديد بخصائص عجائبية يشارك فيها كل فلز دخيل بضلع من أضلاع النسيج ويمنح قوته لهذه السبيكة الجديدة ، إنه عمل جماعي من الفلزات لتخرج بشيء أقوى من كل واحد منفردا ، لولا علم السبائك لكانت الصناعة مستحيلة ولكان التطور البشري التكنولوجي في خبر كان ، لم يكن السد المصنوع قويا لأنه من الحديد والنحاس ، بل أضيفت إلى ذلك الخبرة والمعرفة والنوايا الصادقة ليكون السد منيعا ، بهذا النهج القرآني يعلمنا الخالق جوهرا متجددا للمعرفة البشرية ومكوناتها ، والتي تقضي باجتماع عناصر القوة مع الخبرة والمعرفة العلمية والوفاء والإخلاص في العمل وكل ذلك يمكنك من التحصين اللازم والانتصار الساحق المبني على أسس سليمة من المنهجية البقائية التي تجمع العلم والاقتصاد والتعليم والعسكرة وفن الاستعداد والصبر الاستراتيجي على الألم ، وكذلك مع الإيمان والتسليم بقوانين الله عز وجل .
أستحضر هذه التذكرة لكي لا نفقد الأمل وننتحر أمام التوحش الاسرائيلي الذي نعايشه ولكي نفهم أن عبرة ذي القرنين الصالح هي منهجية واستراتيجية خالدة قابلة للإحياء من جديد ، ففي بحر الأسبوع الماضي تداولت شبكات الأخبار نقلا عن الإذاعة الصهيونية تقريرا اعترافيا مثيرا ومهما وله دلالات استراتيجية حول قدرات المقاومة الفلسطينية الاستخبارية في بناء شبكة اصطياد وجمع وتحليل معلومات قبل السابع من اكتوبر ، وهذه البيانات والمعلومات تمكنت من تعطيل وافشال دبابات الميركافا 4 الأسطورية التي يتباهى بها جيش المخربين ، هذا الخبر الذي انطوى بعجالة هو أكثر أهمية من اخبار محاولات الاغتيال والاعتداءات والانتصارات الشكلية التي تدعيها تل ابيب المهزومة لأنه يضع الحقائق الأصلية امام العيون المغشاة.
ذكرت تلك الإذاعة أن المقاومة تمكنت بنجاح على مدار سنوات من جمع معلومات استخبارية دقيقة حول دبابة “ميركافا 4″، بعد متابعة حسابات عشرات آلاف الجنود الإسرائيليين على شبكات التواصل الاجتماعي ، وساعدت المعلومات التي حصل عليها مقاتلو الكتائب في بناء برنامج كامل لتدريب وإعداد قوة من عناصر النخبة لفترة طويلة كي يصبحوا “سائقي دبابات”، في وحدة تم تشكيلها تحت مسمى “قوة الدبابات”، في حين كانت لديهم نماذج حقيقية بالحجم الكامل لدبابات الميركافا ، إضافة إلى برنامج محاكاة متطور لتعليمهم كيفية تشغيلها ، ووفقا للإذاعة فإن المقاومين كانوا يخططون لتشغيل الدبابات ونقلها لقطاع غزة لاستخدامها ضد جيش المخربين ، وأفادت بأن مقاتلي حماس نجحوا في تعطيل الدبابات وجعلها غير صالحة للاستخدام، بعد معرفتهم بـ”زر سري” داخل الدبابة يؤدي الضغط عليه إلى تعطيلها لفترة معينة.
لا يحتاج المرء الواعي والمدرك لتقرير اسرائيلي ولا تحليل أمريكي ليفهم كيف أن خطة ذي القرنين أعادت إحياء روحها في السابع من أكتوبر، كتائب المقاومة في غزة ليست جيشا نظاميا ولا هي بمقاس جيش المخربين الصهيوني ، ولا قيمة تذكر لكل تجهيزاتها أمام العسكرة الأمريكية والغربية والعربية ، وليس من سبيل لمقارنة طبيعة عدد وتأهيل رجال المقاومة بذلك لدى جيش العدو ، هذه الفئة الصابرة والمجاهدة أخذت بالأسباب الحقيقية للقوة والصمود والمناعة عندما اختارت العلم والعمل بما لديها من إمكانيات ضمن ايمانها وعقيدتها الإسلامية بأعلى مستوى من التضحية والالتزام ، لقد مزجت هذه الفئة الصالحة كل ما لديها من رصيد علمي وتقني وتعليمي وايماني لمواجهة أعتى آلة إجرامية في التاريخ وتمكنت من تحقيق انتصارات ساحقة في المجالات التكنولوجية والاستخبارية والعسكرية وصمود بطولي أسطوري طيلة سنتين من الحرق والقتل والتدمير، وهنا تتكرر عبرة ذي القرنين مرة أخرى ، وتطرح السؤال : ماذا لو تدخلت فعلا الجيوش العربية وأخذت بنهج ذي القرنين طيلة هذه السنين ؟ ما الذي سوف تصنعه وتنجزه ؟
مقابل حكاية ذي القرنين الصالح المؤمن المحسن تقف أمامنا حكاية ذي قرنين آخر ، ولكنهما قرنان مختلفان عن الأول ، فالأول سمي كذلك لأنه حكم ما بين قرني الشمس في مشرقها الى مغربها ، أما الثاني فهو يحمل قرني الشيطان لتكريس القتل والارهاب والموت في الارض ، ترامب ونتانياهو وكل العصابة المجرمة صاحبة القرون التي تحالفت لقتل الأبرياء في غزة وتدميرها وتحويل حياتها الى جحيم .
عبرة ذي القرنين الصالح اطلعت من غزة ومن اليمن ومن لبنان ولن تهزم أبدا ايها السادة ، هذا ما تقوله الحكمة الربانية في كل زمان ومكان ، أما ذو القرنين البرتقالي والاسرائيلي والعربي المتصهين فلن يستطيع نقب جدار الصمود الذي صنعته غزة واليمن ولبنان ، ومكانه هو رف الهزيمة وذل التاريخ وروح الانكسار مهما امتلك من الأسلحة والذكاء الصناعي ووسائط التجسس ، نحن لن ننهزم أبدا مهــا طال الزمان ومهما طالت المعركة .
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التدرّج اليمني في مسار المواجهة!

محمد محسن الجوهري* تُقدَّم المواجهة المقبلة بين اليمن والكيان الصهيوني بوصفها محطة فاصلة في مسار …