الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / الإطار الوحيد لإنتاج استقرار دائم في سوريا!

الإطار الوحيد لإنتاج استقرار دائم في سوريا!

دحسن مرهج*
من منظور عملي لا أيديولوجي، تبدو الفيدرالية اليوم الخيار السياسي الوحيد القادر على حماية مجتمعات السوريين وتنوعهم، فالبلاد خرجت من حرب مدمّرة، والدولة المركزية التي انهارت تحت وزنها ليست قابلة للترميم بالآليات القديمة. من المهم في هذا الإطار توضيح عدد من النقاط حيال الفيدرالية والحدث السوري بمجمل تحدياته.
أولاً- المركز لن يستعيد قدرته على الحكم. فالنظام المركزي الذي حكم سوريا قبل الثورة لم يعد موجوداً فعلياً، كما أن إعادة إنتاجه بالقوة أو عبر تسويات فوقية ستؤدي تلقائياً إلى استئناف الصراع، لأن البنية التي انهارت كانت مبنية على الإكراه، لا على الشرعية. بمعنى أي محاولة لإعادة جمع سوريا تحت سلطة موحدة قسرية ستعيد إنتاج الديناميات نفسها التي قادت إلى الحرب.

ثانياً- الفيدرالية تعالج جذور الصراع لا أعراضه، فالهويات السورية سواء الدينية أو القومية أو المناطقية، لم تعد قابلة للطمس،وهذا ليس خياراً سياسياً بل حقيقة اجتماعية بعد سنوات من العنف الطائفي والتهجير، فالفيدرالية تمنح كل مكوّن فضاءً سياسيا يضمن أمنه الهوياتي، ومؤسسات محلية تعالج مخاوفه الوجودية، وحق تقرير المصير ضمن الدولة، وليس خارجها، وهذا ما يحدّ من احتمالات التطرف.
ثالثاً- الفيدرالية تحيّد الفاعلين المتطرفين، وعندما لا يُسمح للجماعات بتمثيل نفسها عبر القانون، ينتقل التمثيل إلى السلاح، وبهذا فإن الفيدرالية هي الصيغة الوحيدة التي تسحب الشرعية من الفصائل المتطرفة، تمنح المجتمعات أدوات سياسية بديلة، كما تمنع القوى السلفية الجهادية من استغلال مشاعر الخوف لدى السنّة، وتمنع القوى الانتقامية من استهداف العلويين وغيرها من الأقليات، وبهذا فهي أداة استقرار أمني قبل أن تكون أداة ترتيب دستوري.
رابعاً- من منظور الأمن القومي الأميركي فإن الفيدرالية تمنع الانهيار وتحد من النفوذ الإيراني والروسي والتركي، ومقاربة “سوريا الموحّدة مركزياً” تخدم بالضرورة موسكو وطهران وأنقرة، لأن نموذج الحكم المركزي هو النموذج الوحيد الذي تستطيع هذه القوى السيطرة عليه عبر نخبة أمنية تابعة. أما الفيدرالية فتنشئ سلطات محلية غير قابلة للإخضاع من قبل قوة خارجية واحدة، وتوازناً يمنع إعادة احتكار العنف، وتخلق شراكات محلية يمكن للولايات المتحدة التعامل معها بدون المرور عبر النظام أو روسيا أو غيرها، وبهذا فهي صيغة سياسية تحد من التوسع الإيراني والتركي والروسي على المدى الطويل.
خامساً- لفيدرالية هي الطريق الوحيد للتعافي الاقتصادي الحقيقي، فالاقتصاد السوري اليوم اقتصاد مناطق لا اقتصاد دولة، ومن دون نظام قانوني يشرعن هذا الواقع ويحوّله إلى بنية إنتاج مستقرة، لا يمكن لأي خطة لإعادة الإعمار أن تنجح، فالفيدرالية ضمن ذلك تمنح كل إقليم القدرة على إدارة موارده، وتعيد جذب الاستثمار، وتنتج اقتصاداً متنوعاً وغير مرتهن لمركز مفلس أو فاسد، كما أن إعادة الإعمار تتطلب استقراراً محلياً لا وعوداً مركزية.
سادساً- الفيدرالية تمكّن السوريين من بناء وطن على أساس الحرية لا على أساس القسر، وحق تقرير المصير هنا ليس وصفة للتقسيم، بل لضمان أن السوريين لن يعودوا إلى حكم قسري يفرض عليهم هوية سياسية واحدة. هو حق يضمن أن لا تُفرض هوية دينية على غير المؤمنين بها، ولا يُفرض خطاب تكفيري على الأقليات، ولا يُفرض مشروع قومي واحد على كل الجماعات. إنها صيغة تُنتج وحدة طوعية، لا وحدة قمعية.
خلاصة موجهة لصناع القرار في واشنطن
الفيدرالية ليست مشروعا معارضا للنظام، ولا مطلبا أقلويا، ولا رؤية انفصالية. هي ببساطة الطريقة الوحيدة لوقف الانهيار المستمر، وتحقيق الاستقرار السياسي والأمني، وتقليل نفوذ الفاعلين المتطرفين والإقليميين، وخلق بنية صالحة لإعادة الإعمار.
إن تجاهل الواقع الهوياتي السوري يعني إعادة إنتاج الحرب، أما الاعتراف به وتنظيمه ضمن فيدرالية دستورية، فهو الطريق الوحيد لإعادة بناء وطن يعتمد على الخيار الحر، لا على الإكراه.
*كاتب وأكاديمي وخبير الشؤون السورية والشرق أوسطية.

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل الصين معنية بالحرب القادمة على طهران؟

د. ادريس هاني* كعادته، يضعنا الباحث والصحفي الفرنسي المميز تيري ميسان أمام حقيقة ما يخفيه …