الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / منحوتات الذاكرة في متحف الجرائم الإسرائيلية!

منحوتات الذاكرة في متحف الجرائم الإسرائيلية!

خالد شحام*

صباح الأمس كنت أشاهد تقرير قناة الجزيرة وهو يقدم سيدة فلسطينية تقوم بإشعال بعض قطع القماش والبلاستيك تحت طنجرة الطهي التي اختفى لونها الفضي من السناج الأسود وسط مشهدٍ خاربٍ بأكمله ، المكان هو خان يونس قرب خيمة من خيام العذاب والتي زُرِعت وسط تلالٍ رملية في غزة ، غزة التي أُخرِجت عن حيز الآدمية وانقطعت بها السبل وأغلقت الانسانية أبوابها في وجه أهلها الصامدين ، لا بواكي لغزة إلا الهواء والماء والسماء ، كل جزء من الصورة يوحي بمشقة ومكابدةٍ ضد كل شيء وبأن أهل غزة يواجهون الان عشرة حروب جارية بدلا من حرب القصف التي يبدو أنها توقفت ، صورة مؤلمة بكل قطعة منها لأنها تعيد انفجار رحلة التشرد الفلسطيني الى الوجدان وتعطي للمتفرج معنى شاملا لكل ما يحدث في غزة بعد عقد ما سُمي وقف اطلاق النار ، صورة أخرى في تقرير آخر لأعداد الأطفال المولودين في حالة من التشوه الخلقي والإعاقات الجسمانية نتيجة الملوثات والسموم الاسرائيلية التي ألقيت على الناس بوفرة وكرم أمريكي ، إضافة الى الأضرار الجسيمة التي وقعت نتيجة منع الأدوية والأغذية ومقومات الحياة ، هذه الصور بأكملها من جذورها السفلية حتى أغصانها العلوية تحكي وتشرح لكم مفهوم الأخلاق الاسرائيلية والقيم الصهيونية التي لا تعبر عنها إلا رائحة البلاستيك المحترق بكل انحطاطها وتعفن ضمائرها ، ولكن غزة تأبى في كل هذه الصور إلا أن تكون معجزة الايمان الجديد والصورة الحية لتجدد آيات الله المحكمات التي تعود بعدما نسي الناس حبل النجاة ، تعود لتكون غزة وأهلها ومقاوميها هم عبرة تتجدد فيها الايات العظيمات ، وستكون غزة هذه مركزا لأهم الأحداث في هذا العالم .
تعقب القناة هذه التقارير بلقاء مع الناطق بإسم الاونروا ليشرح بلغة ملطفة مهذبة كيف ان (الاحتلال ) يمنع دخول المواد الأساسية للحياة ويعرقل ما نص عليه اتفاق ادخال 600 شاحنة مساعدات يوميا ليقلصها الى 170 واحدة فقط ، ولتصحيح الكلمات ووقع معانياها لا بد من تغيير كلمة الاحتلال إلى كلمة المجرمين لأن كلمة الاحتلال أصبحت كلمة لطيفة جدا وتعفي هؤلاء القتلة من أوزارهم ، ولا بد من ذكر مصطلح الحقارة المطلقة كبديل لعبارة ( منع ادخال المساعدات ) كي نتمكن من وصف المدى في انعدام الإنسانية والرحمة لدى هؤلاء الوحوش ، قبل هذا كله لا زلت حتى اللحظة أتفكر بشهادة الكثير من الأسرى المحررين من براثن المجرمين حول الأهوال والفظائع التي يقترفها هؤلاء داخل السجون وما يفعلونه بالمعتقلين الفلسطينيين ، لا أفهم حتى اللحظة ما هي نوعية العقلية أو الشخصية التي تدرب كلبا كي يقوم بممارسة الرذيلة مع إنسان ، كيف يمكن (لإنسان ) أن يقوم بتدريب كلب لاغتصاب شخص ؟ ما هو نوع الحقد والأذى الموجود في عقلية هذا المخلوق ؟
وسط كل هذه السعادة التي تغمر غزة يريد سيادة الرئيس الأمريكي الانتقال الى المرحلة الثانية من “اتفاق وقف إطلاق النار ” ويريد زيادة جرعة السعادة بتشكيل مجلس السلام الذي سوف يباركه ويرأسه بنفسه ، ولا نعلم حقيقة ما هو نوع العذابات التي ستحل بغزة مع المرحلة الثانية من هذا الاتفاق ، وما هي مفاجأت رأس السنة الترامبية لأهل غزة ، وبهذه المناسبة السعيدة استيقظت ثماني دول (عربية وإسلامية ) وأصدرت بيانا ناريا مع المساء يشدد على ضرورة فتح معبر رفح بالاتجاهين والالتزام بأدب ببنود خطة ترامب ، وفي ذات الوقت نسمع الكل وهو يطالب بالضغط على (اسرائيل ) ، ولكن السؤال من هو الذي يطالبونه بالضغط وما معنى الضغط هنا ؟ ومما يبدو فإن الكيان الصهيوني يبدو مثل السوائل عديمة القابلية للانضغاط ، في الحقيقة أيها السادة أننا لا نزال أمام صدمة هائلة لم نستفق منها بعد حول مستوى وحجم وتشعب الجريمة الاسرائيلية داخل غزة وفلسطين ، وما يتضح كل يوم أكثر هو أن هذا النهج مستمر وضاغط ويعاني من هوس اكمال مشروعه حتى النهاية ، مما يؤكد لنا جميعا بأن هذه السياسات والمقاصد مبيتة ومخططة سلفا حتى لو لم تقع اسطورة السابع من اكتوبر، ومن يتابع المشهد الجاري يمكنه رصد النوايا الآتية :-
1-الإصرار والاستمرار في الجرائم دون فتور أو تناقص بل بعنادٍ وثبات ونية مبيتة حيال غزة ومناطق الضفة الغربية ، في غزة لا يوجد اتفاق ولا ضمانات ولا ما يحزنون ، كل خطوة يتم الاتفاق عليها لا تعني سوى المزيد من الضغوط وتراكم الحصار على غزة وشعبها ، مؤتمر شرم الشيخ الذي تم عقده يمثل قفزة نوعية في نوعية الخطر على القضية الفلسطينية بأشد مما فعل كامب ديفيد أو أوسلو ، إن النية المبيتة هي ترك غزة كعبرة حطاما وركاما وشقاءا لكل من تسول له نفسه الثورة ضد الاستعمار الأمريكي لهذه البلاد ، وإعلان ترامب بالأمس عن نيته إعلان بدء المرحلة الثانية من الاتفاق يشبه تماما إعلان حفل الزفاف وسط عزاء ضخم ، يريد الرئيس مرحلة ثانية من “اتفاق وقف اطلاق النار” وسط اطلاق النار والقصف والغارات كل ليلة ووسط الموت والتجويع ومنع الحياة ،ويريد الرئيس الاله تشكيل مجلس للسلام اليتيم الذي قتله الاسرائيليون وتعليق الالام الفلسطينية على شجرة الميلاد الخاصة بالبيت الابيض .

2- تكثف الاستعدادات السياسية والعسكرية وتراكم التهديدات الداخلية والخارجية ضد حزب الله وشعب لبنان لشن عدوان جديد ينهي فعليا وجود حزب الله بمعاونة من الجيش اللبناني والقوات السورية الجديدة وربما بمساعدة دول عربية مجاورة مع تواطؤ سياسي عربي كامل .
3-من المؤكد أن حلم الكيان الصهيوني الأكبر لا يمكنه المضي إلا بتوجيه ضربة خاصة لأسقاط النظام الايراني ، وهذا هو المربع الأساسي الناقص في المشهد ، حيث أن الأولوية ليست لكبح مشروع نووي أو صاروخي فالأخطر هو من يقف خلف هذه المشاريع ، وفي تصور الكيان هنالك ايمان عميق بأن اسقاط النظام الايراني يعني نهاية الايديولوجيا الثورية الإسلامية التي اوجعت وجوده في المنطقة على سعتها طيلة هذه السنين منذ العام 1979.
4-ان سقوط النظام الايراني وحزب الله وانتهاء حركة المقاومة الاسلامية يعني بالحرف الواحد احتلالا كاملا للمنطقة وتسليم مفتاحها لسوبرمان العبري الذي تفوق على أمجاد بن غوريون وجابوتنسكي .
لكن سؤالنا الدائم القابع في كهف الذاكرة هو: من نواجه ومن يدير هذه الاعتداءات؟ هل مشكلتنا مع شخص مثل ترامب أو نتانياهو وزامير وروبيو وويتكوف والأسماء الجديدة من المجرمين التي تقفز كل يوم الى حيز العلن أو سائر افراد العصابة المتعددة الجنسيات؟
أيها السادة ما جرى في غزة ليس شيئا وليدا عن موجة السابع من اكتوبر، بل هو حقيقة موضوعة على طاولة اللعب في العالم منذ سنوات وهو جزء لا يتجزأ مما يجري في لبنان وسوريا والسودان وفنزويلا واوكرانيا في حربها مع روسيا ، كل هذه السياقات هي برنامج تقوده حفنة من الأثرياء الذين خرجوا من حيز الآدمية وانتقلوا الى حيز الشيطانية بإغواء المال والنفوذ والسلطة ، أثرياء تجمعهم افكار اولها تفوق العرق الأبيض ، وثانيها الرغبات العقائدية البائدة التي لا تعترف بوجود الله ولا الأديان ولا المنظومات الأخلاقية ، هذه الشخصيات هي من صنعت ما يسمى النظام العالمي الجديد الذي تتصدره شركات عملاقة عابرة للحدود وهذه ه من تعين رئيسا للولايات المتحدة ، وهذه هي من تقرر موضع الضربة القادمة وغايتها وذريعة شن الحرب عليها ، هذه هي من افتتحت حضورها بخديعة كورونا وكان المفروض صناعة عالم لا يتحرك إلا بفكرة التصاريح ولكن ذلك فشل ، وهي التي صنعت فتيل الأزمة الروسية –الأوكرانية للاستيلاء على روسيا وثرواتها ولكنها فشلت فشلا ذريعا لأنهم واجهوا بوتين رئيسا صاحيا ولاعبا سياسيا لا يشق له غبار، هؤلاء هم من يحرك المليشيات في السودان ويمنحون نتانياهو صلاحيات مطلقة في القتل واللعب والاعتداء .
إن أولى معارك المواجهة التي ستطيح بالسلسلة الكاملة لهذه العصابة هي المعركة الاقتصادية والتي يتوقف قلبها عن النبض عند الاطاحة بالدولار، الدولار اللعين الذي قتلنا جميعا ومكن متتاليات الإجرام من الوقوف على قدميها ، والوقوف في وجه الدولار يعني احياء الاقتصاديات العربية بالطرق المستقيمة الحقيقية و تحلل ولاءها من الركوع في البيت الأبيض واعادة توجيه النوايا لحلف جديد ، وثاني معاركها هو احياء الهوية العربية الإسلامية بوصفها الضمانة الوحيدة لحائط الصد والمواجهة في ظل ثقافة الابادة التي تبتلع المنطقة ، وثالثها اعادة الثقة الى فكرة المقاومة الوجودية والفكرية بوصفها طريق النجــاة الحقيقي.
بدون روح المقاومة الحية يا سادة سنبقى عالقين في المرحلة الأولى من اتفاق وقف اطلاق النار الترامبي الذي عقده في شرم الشيخ ، وسيبقى الشرف العربي مغلقا عليه في معبر رفح وستبقى الرجولة والشهامة والتاريخ محصورين بين الخط الأصفر والأحمر لجيش المخربين والمجرمين ، وسنبقى جميعا مدعاة لضحكات نتانياهو ودبلوماسيات الأمم المتحدة وتصريحات الناطق باسم المفوضية الاوروبية والاعيب مجلس الامن.
إن مقتل الخائن أبو شباب ليس قصة ظرفية عابرة ومصادفة في سجل العمالة ، واستشهاد البطل السوري حسن السعدي ليلة زفافه في قرية بيت جن دفاعا عن بلاده ليس مجرد فورة حمية أو شيئا عابرا ، وانطلاق ابطال الانفاق في رفح لتفجير مدرعة صهيونية ليس بسبب العطش ولا تسول الرحمة من جيش المخربين ، إنها الحقائق الأصيلة غير المزيفة التي يحاول العدو تغطيتها بمؤامرات عملاقة تبتلع دول العرب بأكملها ، إنها التصويت على حق الحياة لدى الشعوب العربية من شرقها حتى غربها التي يحاول طمس روحها بالرقص والتعري وجرعات الجنس المفرطة ، إنها رغبة الشعوب الحرة التي يتم الاحتيال عليها بإفقار وقتل الناس بالغلاء وقطع ارزاقهم كي يلتصقوا بأكلهم وشربهم وينسوا مصابهم ، إن المقاومة هي الروح الحية التي تسري في الجسد العربي والتي لن تتوقف ولن تنتهي لا بنهاية حماس ولا حزب الله ولا ايران ولا جماعة انصار الله ، فهؤلاء ليسوا الا انعكاسا لما في نفوسنا وهم ينوبون عن الرغبة الجامحة والحقيقية لما يطلبه الجمهور العربي ، وهم الصوت الحقيقي الذي سوف يستمر في التوالد حتى النهاية .
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حين تبتسم واشنطن للاقتصاد الجزائري!

سارة محمد مرزوڨي* لم تأتِ التصريحات الاقتصادية لمستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الجزائر في …