الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / قانون تجريم الاستعمار في الجزائر: رسالة غضب أم تصفية حساب ؟!

قانون تجريم الاستعمار في الجزائر: رسالة غضب أم تصفية حساب ؟!

د. أمال لعروسي*
إقرار قانون تجريم الاستعمار الذي أقره المجلس الوطني الشعبي الجزائري منذ أيام ليس مجرد خطوة تشريعية داخلية بل رسالة سيادية قوية تعكس انتقال الذاكرة الوطنية من حقل الأخلاق و التاريخ إلى صلب القانون و السياسة الدولية. .. فالذاكرة هنا ليست عبئا على الدولة الوطنية و لا اجترارا عاطفيا يهدف لابتزاز المستعمر السابق، و هو الأسلوب الذي برع فيه الكيان الصهيوني، بل هي شرط من شروط اكتمال العمق التاريخي للشخصية الوطنية، بجانب وضعها للعلاقات بين الجزائر و فرنسا في المنظور المنطقي للمصالحة التاريخية.
وبدون الابتعاد النهائي للمستعمر السابق عن خرافة تقديم الغزو الفرنسي كعملية حضارية، و الاعتراف الواضح بما ارتكب من جرائم في حق الشعب الجزائري طيلة قرن و ربع قرن لا يمكن أن تقوم شراكة متوازنة أو مصالحة حقيقية…. والواقع أن هذا القانون لا يخاطب فرنسا وحدها بل يخاطب النظام الدولي بأسره، مؤكدا أن إعادة تعريف الماضي و استحضاره في إطار القانون الدولي هو ممارسة سيادية لا رجعية عنها و لا تهاون فيها، و أهميتها هي أنها تنقل تاريخ الاستعمار من هامش الخطاب الأخلاقي إلى مركز المسؤولية القانونية.
والجزائر حين تقنن ذاكرتها لا تعود إلى الوراء بل تعيد كتابة المستقبل من موقع الندية و المكانة السيادية، لا من موقع التوسل التاريخي أو الاعتذار الرمزي….وهكذا يبدو واضحا أن تجريم الاستعمار ليس فعلا انتقاميا جاء بد طول انتظار نتيجة لوضعيات سياسية إقليمية معقدة بل هو ممارسة دولة مكتملة الأركان، لان الدولة التي تعيد تعريف ماضيها بقانون تعيد ترتيب علاقتها بالحقيقة و تضع حدا لمحاولات التلاعب بسرديتها الوطنية بوصفها مجرد رواية قابلة للتأويل.
من هنا فإن توقع الموقف الفرنسي و كيف سيكون رده على هذه الخطوة يجب أن يتم على ضوء عدة منطلقات منها:
– البعد القانوني: فرنسا سترفض أي توظيف شامل للاستعمار كجريمة، متذرعة بعدم رجعية القوانين الدولية، فالإقرار القانوني الكامل يفتح أبواب المساءلة و التعويض، و يضع كامل تاريخها الاستعماري تحت طائلة القانون، و هو ما يجعلها تميل إلى تقديم اعتراف أخلاقي جزئي دون الالتزام القانوني الكامل.
– البعد الدبلوماسي: سياسيا ستعتمد باريس على إدارة التوتر عبر تصريحات مضبوطة و دعوات للتهدئة، و ربما استعادة عمل لجان الذاكرة و فتح أرشيف محدود، و هنا نقطة محورية، لان فتح الأرشيف الجزئي يظل مجرد أداة لضبط النقاش العام بدون الاعتراف الكامل بالمسؤولية القانونية .. و الهدف الأساسي هو حماية المصالح الحيوية المتمثلة في الأمن … الطاقة … الجالية و الهجرة ، مع تجنب دفع تكلفة سياسية داخلية أو دولية كبيرة.
– البعد الرمزي و الهوياتي: رمزيا أي اعتذار رسمي سيكون له تأثير هائل على سردية الجمهورية الفرنسية ، و قد يثير انقسامات سياسية حادة داخليا خصوصا مع تصاعد خطاب اليمين المتطرف.
لذلك تنظر أي خطوة نحو الاعتذار على أنها تهديد للهوية السياسية أكثر من كونها مسألة تاريخية.
فالجزائر حين تتحرك من خلال التشريع لا تتفاوض على الماضي، بل تستعيد السيادة على تاريخها و تعيد تشكيل المستقبل من موقع القوة بعيدا عن الانتهازية أو الرموز الجزئية….
وهكذا فإن الرسالة التي يرسلها قانون تجريم الاستعمار تتجاوز فرنسا، فهي إعادة سيادة للذاكرة الوطنية و فتح لمرحلة جديدة من النضج السياسي و الدبلوماسي، و سيكون لها أثرها البالغ على كل الدول التي عانت من الاستعمار و خصوصا في القارة الإفريقية، و سيؤكد وجود الجزائر في موقع الصدارة و الريادة.
أما فرنسا فستواصل محاولة إدارة الذاكرة و ليس حسمها بمحاولة ضبط الأزمات دون مواجهة التبعات الكاملة، و سيظل الأمر كذلك إلى أن تصل القيادات الفرنسية إلى اليقين بأن السيادة الوطنية على الذاكرة في الجزائر هي أمر لا يقبل المساومة، و هو موقف سوف يكون لمصلحة البلدين.
ويجب ألا يغيب عن الأذهان أن إقرار القانون يتم قبل أيام معدودة من الاحتفال بالذكرى الـ47 لالتحاق الرئيس هواري بو مدين إلى الرفيق الأعلى و هي رسالة واضحة تذكر بالزعيم الذي قال عن العلاقات الجزائرية الفرنسية : طوينا الصفحة نهائيا لكننا لن نمزقها.
*كاتبة ومستشارة قانونية جزائرية و باحثة في الجيوستراتيجيا .

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حين تبتسم واشنطن للاقتصاد الجزائري!

سارة محمد مرزوڨي* لم تأتِ التصريحات الاقتصادية لمستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الجزائر في …