الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / حزب الله بعد السلاح.. بين القضاء اللبناني والضغط الدولي!

حزب الله بعد السلاح.. بين القضاء اللبناني والضغط الدولي!

كريستينا شطح*
في صيف عام 1982، لم تدخل الدبابات الإسرائيلية إلى لبنان فقط، بل دخل معها مشروع سياسي كامل لإعادة تشكيل الدولة بالقوة. لم تكن تلك المرحلة مجرّد اجتياح عسكري، بل عملية كسر ممنهجة للتوازن الداخلي، أعقبتها تصفية سياسية واسعة تحت غطاء “استعادة الدولة”. ملاحقات، إقصاء، تفكيك أحزاب ونقابات، واستخدام مباشر لمؤسسات رسمية في صراع داخلي فتح الطريق أمام انفجار 6 شباط 1984 وما بعده. اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يُعاد طرح السؤال نفسه ولكن بصيغة أكثر نعومة وخطورة: هل يجري التحضير لمرحلة ما بعد سلاح حزب الله كمسار لبناء الدولة، أم كمرحلة تصفية سياسية مؤجلة تستخدم فيها أدوات قانونية بدل الدبابات؟
الحديث عن “تسليم السلاح وما بعده” لا يجب أن يُطرح في فراغ. فحزب الله، في حال انتقل قسرًا أو طوعًا من منطق القوة العسكرية إلى العمل السياسي الكامل، سيجد نفسه مكشوفًا أمام منظومة قضائية لم تثبت يومًا استقلالها عن ميزان القوى أو الضغوط الخارجية. قياداته العسكرية السابقة، وعناصره، وملفاته المتراكمة منذ عقود، ستتحول فجأة إلى مادة تحقيق، لا في إطار عدالة انتقالية واضحة، بل ضمن مناخ سياسي منقسم وضغط دولي معلن.الخطر الحقيقي لا يكمن في خضوع الجميع للقانون، بل في تحويل القانون نفسه إلى أداة استهداف. ففي لبنان، حيث لم يُحاسَب أمراء الحرب، ولم تُفتح ملفات الاغتيالات الكبرى إلا انتقائيًا، يصبح الادعاء بالمحاسبة الشاملة انتقائيًا بحد ذاته. وهنا تصبح الشعرة بين العدالة والتصفية السياسية شبه معدومة. الأمر لا يتوقف عند الداخل. فلبنان مرتبط، أو في طور الارتباط، باتفاقيات تعاون قضائي وتسليم مطلوبين مع دول عربية وأجنبية، بعضها يصنّف حزب الله تنظيمًا إرهابيًا صراحة. في مرحلة ما بعد السلاح، ستتحول هذه الاتفاقيات من نصوص قانونية مهملة إلى أدوات ضغط مباشرة. اللوائح الدولية، الملفات المجمّدة، والضغوط الخارجية، كلها قد تُفعّل، وقضاء لبناني ضعيف قد يُدفع إلى تنفيذ ما يعجز الخارج عن فرضه سياسيًا.
وهنا يُطرح السؤال الأخطر:
هل الدولة اللبنانية مستعدة لرفض استخدام قضائها كذراع تنفيذ للضغط الدولي؟
أم أنها ستكتفي بدور الوسيط العاجز الذي يمرّر الاستهداف تحت عنوان “الالتزام بالشرعية الدولية”؟
في غياب تسوية سياسية شاملة، أي مسار قضائي ضد قيادات أو عناصر حزب الله السابقين سيُقرأ حتمًا كاستهداف طائفي وسياسي، لا كإحقاق حق. والتجربة اللبنانية واضحة: الملاحقات غير المترافقة مع تسويات وطنية لا تبني دولة، بل تفجّرها من الداخل.
لهذا، فإن الحديث عن إطار قانوني استثنائي ليس ترفًا ولا حماية سياسية مقنّعة، بل ضرورة وجودية للدولة نفسها. هذا الإطار يجب أن يكون معلنًا، محددًا، وخاضعًا لرقابة وطنية، لا نتيجة تسويات تحت الطاولة أو ضغوط السفارات. ليس عفوًا عامًا يساوي بين الجلاد والضحية، بل آلية انتقالية تمنع استخدام القضاء كسلاح، وتحمي المجتمع من إعادة إنتاج الانقسام. الدولة القادرة ليست تلك التي تنتقم بعد نزع السلاح، بل تلك التي تدير الانتقال من منطق القوة إلى منطق القانون دون كسر توازنات المجتمع. ما جرى بعد 1982 يجب أن يكون درسًا لا نموذجًا. حينها، كُسرت قوى تحت شعار الدولة، فانفجرت الدولة نفسها.
اليوم، تتكرر الشروط ذاتها:
ضغط دولي مباشر
إصلاحات مشروطة
مساعدات مقابل ملفات
وقضاء مهدد بالتحول إلى ساحة صراع
الفرق الوحيد أن الأدوات أصبحت أكثر تهذيبًا، لكن النتائج قد تكون أكثر تدميرًا.
لبنان ما بعد السلاح أمام مفترق حاسم لا يحتمل الرمادية: إما أن تُدار الدولة بتسوية سياسية شاملة تحمي القانون من التسييس، أو أن يُعاد إنتاج نموذج 1982 بلا دبابات، لكن بملفات قضائية، ولوائح اتهام، وانفجار مؤجل. في هذه الحالة، لا يُقاس نجاح الدولة بقدرتها على ملاحقة من سيتخلّى عن السلاح، بل بقدرتها على منع تحويل العدالة إلى سلاح جديد، فالعدالة التي تأتي بلا سياسة حكيمة لا تُنهي الصراعات، بل تغيّر أسماءها فقط.
أمام هذا الاختبار الكبير، لا بد من طرح السؤال: هل سيكون الانتقال من القوة العسكرية إلى العمل السياسي الكامل مسارًا لبناء الدولة، أم ساحة لتصفية سياسية مقنّعة بالقانون؟ في ظل ضغوط دولية متصاعدة، وقضاء قد يُستغل كأداة ضغط، تصبح أي ملاحقة قضائية ضد قيادات أو عناصر الحزب السابقين محفوفة بالمخاطر، وقد تُقرأ كاستهداف طائفي وسياسي.
هذه المخاطر، والاحتمالات التي تترتب على استخدام القضاء كسلاح، قد تكون من إحدى الأسباب وراء عدم تسليم السلاح، حيث لتاريخ اليوم لم تعطى أي ضمانات من الحماية لحزب الله أمام تحولات مفاجئة في المشهد السياسي والقضائي، تمنحه القدرة على المساهمة في أي تسوية سياسية شاملة تمنع تحويل العدالة إلى أداة استهداف. الدولة القادرة هي التي تدير الانتقال من منطق القوة إلى منطق القانون بحكمة، مع حماية المجتمع من الانقسامات وإعادة إنتاج الصراعات باسم العدالة، لتبقى العدالة أداة للبناء، لا للتدمير.
*كاتبة لبنانية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التدرّج اليمني في مسار المواجهة!

محمد محسن الجوهري* تُقدَّم المواجهة المقبلة بين اليمن والكيان الصهيوني بوصفها محطة فاصلة في مسار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *