الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / أوغسطين الإفريقي!

أوغسطين الإفريقي!

سارة محمد مرزوڨي*
إبداء البابا رغبته في زيارة الجزائر لا يمكن قراءته كبروتوكول ديني عابر أو مجاملة دبلوماسية، بل هو حدث محمّل بطبقات كثيفة من المعنى التاريخي والرمزي، يتجاوز الحاضر إلى عمق الذاكرة المتوسطية، حيث يقف اسم القديس أوغسطين بوصفه الجسر الأكثر حساسية بين الجزائر والفاتيكان، وبين إفريقيا وأوروبا، وبين المسيحية الأولى ومركزها المعاصر.
أوغسطين: إفريقي في قلب اللاهوت الغربي
بالنسبة للفاتيكان، لا يُعدّ القديس أوغسطين مجرد “قديس عظيم”، بل أحد الأعمدة التأسيسية للفكر اللاهوتي الكاثوليكي. هو المرجع الأعمق في فلسفة الخطيئة، والنعمة، والإرادة، والمدينة الإلهية، وهو العقل الذي صاغ كثيرًا من تصورات الكنيسة عن الإنسان والسلطة والتاريخ. لكن المفارقة التي يفضّل الغرب الكنسي أحيانًا تهميشها، أن هذا العقل لم يولد في روما ولا باريس ولا ميلانو، بل في طاغست (سوق أهراس اليوم)، وتكوّن وعيه في هيبون (عنابة)، على أرض جزائرية إفريقية بامتياز.إن أوغسطين، بهذا المعنى، ليس “قديسًا عالميًا” فقط، بل إفريقيًا انتزعته السردية الأوروبية من جذوره، ثم أعادت تقديمه كنتاج خالص للمركز الغربي. ومن هنا، فإن كل حديث عن الجزائر في اللاهوت الكاثوليكي، يمر – شاء الفاتيكان أم أبى – عبر أوغسطين.
الجزائر: ذاكرة مسيحية غير استعمارية
بالنسبة للجزائر، يحمل أوغسطين دلالة مغايرة تمامًا. هو ليس رمزًا دينيًا تبشيريًا، ولا امتدادًا للذاكرة الاستعمارية الفرنسية التي حاولت توظيف المسيحية كأداة هيمنة، بل شاهد تاريخي على تعدد روحي سابق على الاستعمار، وعلى أن هذه الأرض لم تكن يومًا فراغًا حضاريًا.
الجزائر التي تنفتح اليوم على هذا الإرث، تفعل ذلك من موقع السيادة لا الاستتباع، ومن منطق الذاكرة لا العقدة. فالاعتراف بأوغسطين هو اعتراف بتاريخ جزائري طويل، سبق فرنسا، وسبق حتى الصراعات الحديثة بين الشرق والغرب، وهو ما يجعل أي زيارة بابوية محتملة محكومة بسقف جزائري واضح: الدين مرحّب به كذاكرة إنسانية، لا كأداة سياسية أو ثقافية مهيمنة.
زيارة البابا: دبلوماسية روحية أم إعادة تموضع؟
في السياق الدولي الراهن، حيث يعاني الفاتيكان من تراجع نفوذه في أوروبا، وصعود الجنوب العالمي كفضاء ديني وسياسي بديل، تبدو الجزائر – بثقلها التاريخي، وموقعها الإفريقي، واستقلال قرارها – شريكًا رمزيًا مهمًا. والقديس أوغسطين هو المفتاح الأكثر أمانًا لهذا التقارب: قديس إفريقي، غير أوروبي، غير استعماري، جامع لا صدامي.
لكن الجزائر، التي خبرت توظيف الدين في السياسة، داخليًا وخارجيًا، تدرك أن الرمز لا يُستقبل بريئًا. لذلك، فإن أي زيارة بابوية، إن تمت، ستُقرأ جزائريًا باعتبارها اعترافًا متأخرًا بإفريقية أوغسطين، وبمركزية الجزائر في تاريخ المتوسط الروحي، لا مجرد حجٍّ إلى آثار قديمة.
أوغسطين كجسر لا كغنيمة
الرهان الحقيقي اليوم ليس في استعادة أوغسطين كـ”قديس مسيحي جزائري” فحسب، ولا في احتفالية سياحية دينية، بل في تقديمه كـ جسر حضاري: رجل عاش سؤال الهوية، وقلق الإيمان، وصراع السلطة، وهي أسئلة لا تزال حارقة في عالم ممزق.
وهنا، تمتلك الجزائر فرصة نادرة: أن تفرض سرديتها الخاصة، لا بوصفها أرض قديس فقط، بل أرض فكر، وأسئلة، وتعدد. أما الفاتيكان، فإن اعترافه الحقيقي بأوغسطين يبدأ من الاعتراف بجذوره الإفريقية، لا الاكتفاء باستدعائه من برج اللاهوت الغربي.
في النهاية، إن أوغسطين لا يعود اليوم إلى الجزائر، لأنه لم يغادرها يومًا. الذي يعود – إن عاد – هو الوعي الغربي بذاكرته المنسية.
*كاتبة جزائرية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التدرّج اليمني في مسار المواجهة!

محمد محسن الجوهري* تُقدَّم المواجهة المقبلة بين اليمن والكيان الصهيوني بوصفها محطة فاصلة في مسار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *