الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / همسة في التنمية..!

همسة في التنمية..!

روضة عمران القبيسي*

لم تعُد السِّمنَةُ لدى الأطفال قضية صحيةً هامشية، بل أصبحتْ من أبرز التحديات المُجتمعية التي تستدعي وقفة جادة وتعاونًا وطنيًا شاملًا. وقد أعاد اجتماعُ مجلس الشورى هذا الأسبوع تسليط الضوء على خطورة تفاقم السِّمنَة بين الأطفال والشباب، مؤكدًا أن هذه الظاهرة لا تمس صحة الأفراد فحسب، بل تمتد آثارها إلى مستقبل التنمية البشرية وجودة الحياة في المُجتمع القطري.

تشيرُ تقاريرُ منظمة الصحة العالمية إلى أن السِّمنة في مرحلة الطفولة تُعد من أخطر عوامل الإصابة بالأمراض المُزمنة في سن مبكرة، مثل السكري من النوع الثاني وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم. كما أنَّ الطفل المُصاب بالسِّمنة يكون أكثر عرضة لاستمرار المعاناة منها في مرحلة البلوغ، بما يحمله ذلك من أعباء صحية ونفسية واقتصادية على الفرد والدولة.

وتعودُ أسبابُ السِّمنَة لدى الأطفال إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، يأتي في مقدمتها النمطُ الغذائي غير الصحي، الذي يعتمد على الوجبات السريعة والمشروبات المُحلاة، إلى جانب قلة النشاط البدني الناتجة عن الاعتماد المُتزايد على الأجهزة الذكية والألعاب الإلكترونية. كما تلعب العادات الأسرية ومستوى الوعي الصحي دورًا محوريًا في تشكيل سلوكيات الأطفال الغذائية والحركية منذ السنوات الأولى من العمر.

ولا تقتصرُ آثار السِّمنَة على الجانب الصحي فقط، بل تمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية، حيثُ قد يعاني الطفل من ضعف الثقة بالنفس أو التعرّض للتنمر، ما ينعكس سلبًا على تحصيله الدراسي وتفاعله الاجتماعي. ومن هنا، فإن التعامل مع السِّمنَة يجب أن ينطلق من فهم شامل للطفل بوصفه كيانًا متكاملًا جسديًا ونفسيًا واجتماعيًا.

إن ما طُرح في مجلس الشورى يؤكد الحاجة إلى مقاربة وطنية شاملة تشترك فيها الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الصحية، والجهات التشريعية. فالأسرة مطالبة بترسيخ أنماط غذائية صحية وتشجيع الأبناء على الحركة والنشاط، في حين تتحمل المدارس مسؤولية تعزيز التربية الصحية وتوفير بيئة تعليمية داعمة للنشاط البدني. كما أن للسياسات العامة دورًا أساسيًا في تنظيم تسويق الأغذية غير الصحية للأطفال، ودعم المبادرات المجتمعية التي تعزز أنماط الحياة النشطة.

إنَّ الاستثمار في الوقاية من السِّمنَة لدى الأطفال هو استثمار في مستقبل الوطن، وفي بناء جيل يتمتع بالصحة والقدرة على العطاء والمشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية. ومن هنا، فإن تحويل مخرجات النقاشات البرلمانية إلى سياسات وبرامج عملية سيشكّل خطوة مِحورية نحو حماية صحة أطفالنا، وترسيخ مفهوم أن صحة الطفل مسؤولية وطنية مشتركة لا تقبل التأجيل.
*كاتبة واكاديمية قطرية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التدرّج اليمني في مسار المواجهة!

محمد محسن الجوهري* تُقدَّم المواجهة المقبلة بين اليمن والكيان الصهيوني بوصفها محطة فاصلة في مسار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *