السبت , يناير 31 2026
الرئيسية / اراء / إيران.. حذاري من الرهان الخاسر!

إيران.. حذاري من الرهان الخاسر!

د. كمال ميرزا*
في معرض التجييش الجاري، واللغط حول إقدام أمريكا أو عدم إقدامها على ضرب إيران، وإندلاع حرب إقليميّة أو عدم إندلاعها.. يُراهن أنصار إيران ومُجمل محور المُقاومة على أنّ إيران في هذه الجولة من الصراع تُمسِك أمريكا من يدها التي توجعها: الكيان الصهيونيّ.لقد أثبتتْ إيران خلال ما تُسمّى حرب الـ (12) يوماً ليس فقط قدرتها على ضرب الكيان في العمق، بل وزلزلة أركانه زلزالاً شديداً، ولولا “فزعة” الوسطاء للتهدئة، ولولا عدم رغبة إيران بالتخلّي تماماً عن سياسة الصبر الإستراتيجيّ والذهاب بالتصعيد إلى أقصى مدى، لكانت “إسرائيل” للآن ما تزال تُحصي خسائرها وتبحث وسط أنقاضها!
والتهديدات الإيرانيّة الأخيرة بدكّ “تل أبيب” في حال تعرّض إيران لأي هجوم يشي بأنّ كبار المسؤولين الإيرانيّين يمتلكون القناعة نفسها ويعوّلون على الرهان نفسه: إسرائيل، ربيبة أمريكا والغرب المُدلّلة، هي نقطة ضعف أي تحرّك عسكريّ مُزمَع ضدّ إيران.
وبمقدار ما أنّ هذا الكلام يُثلج الصدر ويدغدغ المشاعر، إلّا أنّه لا ينبغي علينا أن ننسى حقيقةً يتمّ ترديدها دوماً، ولكنّها لا تُؤخَذ فعليّاً محمل الجد، وتُعامَل وكأنّها مجرد “إنشاء” أو تنطّع محلّلين أو “فزلكة” أكاديميّين: إسرائيل هي كيان وظيفيّ!
إسرائيل هي كيان وظيفيّ أوجده المشروع الرأسماليّ الإمبرياليّ الغربيّ لخدمة مصالحه وهيمنته في المنطقة، ووجود هذا الكيان وصيغة وجوده، واستمراره وصيغه استمراره، أو حتى زواله وصيغة زواله.. جميعها مرهونة بمدى تحقيقه وتلبيته للوظيفة التي أُوجد من أجلها.
وفي اللحظة التي يتوقّف فيها أي كيان وظيفيّ عن القيام بوظيفته، أو يصبح فيها عبئاً على مَن يمدّونه بأسباب الحياة والاستمرار، لا حَرَج لديهم من رفع أيديهم عنه وتركه لمصيره المحتوم باعتباره أولاً وأخيراً بحكم نشأته وطبيعة بُنيته لا يستطيع الاستمرار بالاعتماد على قدراته الذاتيّة ويعتمد في بقائه على الخارج.
بكلمات أخرى، إذا ظنّتْ إيران أنّها تستطيع من خلال “إسرائيل” ليّ ذراع “أمريكا”، فإنّ “ترامب” والمشروع الذي يُمثّله لن يتردّدا عند الإيجاب في قطع هذه الذراع والتضحية بها.. يُعزّز من ذلك ثلاثة أمور:
الأول، أنّ المشروع الذي يُمثّل “ترامب” واجهةً له يقوم على تفكيك الدولة بما هي دولة (الدولة القوميّة أو الويستفاليّة)، بما في ذلك الدولة الأمريكيّة نفسها (بلوبيّاتها ومراكز قوّتها وشروط لعبتها)، وذلك في خضم مساعي أنصار هذا المشروع لفرض الانتقال رسميّاً من طور “حكم الدولة” إلى “حكم الشركات”.. فهل سيوفّر هذا المشروع “إسرائيل” التي هي بالأساس ليست دولةً فعليّةً بل محض كيان؟!
الثاني، أنّ هذا المشروع الذي يُمثّل “ترامب” حاليّاً واجهته وأمريكا قُفّازه والقوّة الأمريكيّة أداته ما عاد بحاجة إلى الدور الوظيفيّ “التقليديّ” الذي طالما لعبته إسرائيل من حيث ضمان تشرذم العرب وتفرّقهم وإضعافهم وإحكام السيطرة عليهم؛ فالأنظمة العربيّة قد بلغتْ منذ وقت طويل مرحلة ما أسماه الدكتور “عبد الوهاب المسيري” بـ “اليهوديّ الوظيفيّ”، وهي متماهية تماماً مع المشروع الأمريكيّ/ العالميّ الجديد، وتتسابق لخطب ودّ أسياده ونيل رضاهم وتقديم أوراق الاعتماد إليهم، وتُوفّر لهم طواعيةً كلّ الخدمات والتسهيلات اللازمة من أجل إمضاء مخططاتهم وإعادة إنتاج هيمنتهم دون أن يضطروا للاستمرار في تكبّد كلفة ومشقة وعناء الاحتفاظ بورقة إسرائيل التي تغدو يوماً بعد يوم محروقةً أكثر!
الثالث، كما أنّ تصفية “القضية الفلسطينيّة” (التحرير، العودة، الدولة) و”تطبيع” علاقات العرب والمسلمين مع “إسرائيل” هما عنصران أساسيّان في “صفقة القرن” و”الشرق الأوسط الجديد”.. فإنّ تصفية “القضيّة اليهوديّة” (أرض المعاد، إسرائيل الكبرى) وإدماج الكيان الصهيونيّ في المنطقة هما عنصران نظيران ومكافئان ولا يقلّان أهميّة عن العنصرين السابقين.
في المحصّلة،،
لو اقتصر الأمر على “إسرائيل” والدمار الذي يمكن أن يلحق بها لما تردّد “ترامب” لحظةً في مهاجمة إيران، ولكن خوف “ترامب” على بقيّة المصالح الأمريكيّة في المنطقة (والتي ما تزال بطبيعة الحال جزءاً أساسيّاً وأكثر أهميّةً بالنسبة للمشروع الذي يمثّله) هو الذي يمنعه للآن من الإقدام على الدخول في مواجهة مفتوحة مع إيران.
وفي المقابل، إذا كان تعويل إيران الأساسيّ هو على قدرتها على ضرب إسرائيل.. فأخشى ما أخشاه أنّ قيام إيران بضرب إسرائيل هو تحديداً ما يُعوّل عليه “ترامب” ويأمله ويصبو إليه (في حال أمّن بقية مصالحه بهذه الطريقة أو تلك) بكون ذلك يتيح له ضرب عصفورين بحجر واحد:
أولاً التخلّص نهائيّاً من “نتنياهو” ويمينه المُتطرّف والتيّارات الدينيّة، الذين هم للمفارقة، وللسخرية، وبحكم تشرّبهم من طرفهم لخرافاتهم وأوهامهم التوراتيّة.. أكبر “المُمانعين” في المنطقة للترتيبات التي تريد أن تدمجهم وتجعلهم مجرد دولة أخرى من دول الإقليم وتحرمهم من إسرائيلهم الكُبرى من النيل إلى الفرات!
ثانياً الفتك بإيران بلا هوادة وبدون ضوابط وبما لا يدع مجالاً لبقيّة القوى الدوليّة للاعتراض والمناورة بحجّة الانتقام لإسرائيل وللدماء اليهوديّة والساميّة الزكيّة من “الهوليكوست الإيرانيّ” الذي ألمّ بها!
قد يبدو هذا الكلام مُستهجناً لأولئك الذين تشرّبوا أسطورة أنّ إسرائيل تتحكّم بأمريكا، واليهود يتحكّمون بالعالم، وفق مؤامرة كونيّة أزليّة ممتدة ومتواصلة عبر الزمن.. متناسين أنّ المشروع الصهيونيّ قبل أن يتهوّد هو في أصل نشأته مشروع أوروبيّ (وبعدها أمريكيّ) مسيحيّ بروتستانتيّ بيوريتانيّ كالفنيّ أنجلو-سكسونيّ أفرزته الحداثة الغربيّة تحالف مع الرأسماليّة/ الإمبرياليّة وتحالفت معه.. وما “أزعر” و”شبّيح” و”بلطجي” العالم “دونالد ترامب” وداعميه الذين يمثّلهم وعصابته التي يتحرّك بها وأعوانه وتابعيه وقطاريزه الإقليميّين في أربع جهات الأرض سوى امتداد لهذا المشروع وورثة “شرعيّين” له!
كاتب اردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التداعيات الجيوسياسية المحتملة للتحشيد العسكري الأمريكي!

د. هاني الروسان* يبدو أنه صار من الضروري في خضم هذا الضجيج الإعلامي حول طبيعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *