سارة محمد مرزوڨي*
لم يكن اغتيال سيف الإسلام القذافي مجرّد تصفية شخصية مثيرة للجدل، بل شكّل لحظة مفصلية أُغلِق فيها أحد آخر المسارات السياسية الممكنة في ليبيا، وفتح الباب على مصراعيه أمام سؤال أكبر:
هل ما تزال الدولة الليبية قابلة للإنقاذ، أم دخلت طور التفكك النهائي؟
في خضم هذا التحوّل الخطير، يبرز دور دول الجوار، وعلى رأسها الجزائر ومصر وتونس، لا كوسطاء ظرفيين، بل كأطراف إقليمية معنية مباشرة بمصير ليبيا، لأن انهيارها الكامل لن يبقى حبيس حدودها.
الجزائر: الدفاع عن فكرة الدولة لا عن الأشخاص
منذ 2011، حافظت الجزائر على مقاربة ثابتة تجاه الأزمة الليبية، قوامها رفض التدخل العسكري ورفض منطق الحسم بالقوة، مع الإصرار على حل ليبي–ليبي يحفظ وحدة التراب والمؤسسات.
وبعد اغتيال سيف الإسلام، تتعامل الجزائر مع المشهد من زاوية أكثر عمقًا: الأزمة لم تكن يومًا أزمة أشخاص، بل أزمة غياب الدولة.
لذلك تركّز الدبلوماسية الجزائرية على إعادة الاعتبار لمسار المصالحة الوطنية، ودمج القوى الاجتماعية والقبلية التي جرى تهميشها لصالح الميليشيات، مع التحذير من خطورة تكريس واقع الانقسام كأمر طبيعي.
الرهان الجزائري اليوم ليس على إنتاج سلطة جديدة، بل على منع الانهيار الشامل.
مصر: من رهان الحسم إلى واقعية التسوية
على الجبهة الشرقية، تنظر مصر إلى ليبيا من منظور أمني بالدرجة الأولى. غير أن السنوات الماضية أثبتت للقاهرة أن الرهان على الحسم العسكري لم يؤدِّ إلى الاستقرار، بل عمّق الانقسام.
اغتيال سيف الإسلام يعزّز داخل دوائر القرار المصرية قناعة باتت أكثر حضورًا:
لا طرف قادر على إلغاء الآخر، وأي مشروع دولة دون توافق اجتماعي وسياسي سيظل هشًا وقابلًا للانفجار.
من هنا، يُتوقّع أن تميل مصر أكثر نحو دعم تسوية سياسية واقعية، بالتنسيق مع الجزائر، بدل الاستمرار في إدارة الأزمة من منطق الغلبة المؤقتة.
تونس: حياد الضرورة وحدود التأثير
رغم ضعف أدواتها، تبقى تونس لاعبًا مهمًا بحكم الجغرافيا والحياد النسبي. فقد دفعت أثمانًا اقتصادية واجتماعية باهظة نتيجة الفوضى الليبية، دون أن تنخرط في الصراع.
تونس لا تمتلك نفوذ السلاح، لكنها تمتلك ما تفتقده أطراف أخرى: القبول كأرض محايدة للحوار، وهو دور قد يصبح حاسمًا في أي مسار تفاوضي قادم، إذا ما توافر الغطاء الإقليمي والدولي.
تنسيق إقليمي أم فوضى مفتوحة
بعد اغتيال سيف الإسلام، لم يعد الخلاف بين دول الجوار ترفًا سياسيًا.
إما تنسيق فعلي بين الجزائر ومصر وتونس لحماية وحدة ليبيا،
أو ترك البلاد نهبًا لحروب الوكالة ومشاريع التقسيم المقنّع.
هذا التنسيق يظل مشروطًا بثلاثة محددات أساسية:
رفض تقسيم ليبيا تحت أي مسمى
إخراج السلاح من العملية السياسية
إعادة بناء الشرعية على أساس اجتماعي لا ميليشياوي
ليبيا اليوم أمام مفترق طرق حاسم.
إما أن تنجح دول الجوار في لعب دور تاريخي يمنع سقوط الدولة،
أو تتحول الأزمة الليبية إلى جرح مفتوح في خاصرة المنطقة بأكملها.
فالرهان لم يعد على من يحكم ليبيا،
بل على إن كانت ستبقى دولة أصلًا.
*كاتبة جزائرية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر