سارة المقطري*
في عالم يموج بالتوترات الجيوسياسية والأزمات المتلاحقة، لم يعد من المستغرب أن يثير توقيت الكشف عن فضيحة كبرى تساؤلات تتجاوز مضمونها. ففي مطلع عام 2026، ومع نشر ملايين الوثائق المتعلقة بشبكة الملياردير جيفري إبستين، وجد العالم نفسه أمام سيل من المعلومات الصادمة التي تورط بها شخصيات عالمية نافذة.
لكن السؤال الذي يطرح بشكل اهم ليس فقط من المتورط؟ ، بل لماذا الآن؟
هذا التساؤل يعيد إلى الأذهان سيناريو مشابهاً سبق أحداثاً غيرت وجه منطقة الشرق الأوسط، وهو تسريبات ويكيليكس التي سبقت انطلاق شرارة ماسمي حينها بالربيع العربي. فهل التاريخ يعيد نفسه؟ وهل نحن أمام استخدام ممنهج للفضيحة كسلاح إلهاء استراتيجي تمهيداً لحدث أكبر يتم التحضير له في الخفاء؟
فبعد سنوات من الترقب، أُفرج عن وثائق قضية إبستين بناءً على قانون شفافية ملفات إبستين الذي أقره الكونغرس الأمريكي في نوفمبر 2025. جاء الكشف عن هذه الملفات، التي تضم ملايين الصفحات والصور ومقاطع الفيديو، ليُحدث زلزالاً إعلامياً وسياسياً على مستوى المنطقة والعالم .
البعض قد يجد أن النشر هو مجرد إجراء قضائي شفاف يهدف لإنصاف الضحايا، لكن من زاوية اعمق فام التشكيك في براءة التوقيت أجدر وأهم .
تتجه أصابع الاتهام نحو نظرية الإلهاء الكبير. حيث تنطلق هذه النظرية من أن تفجير فضيحة بهذا الحجم، قادرة على شغل الرأي العام العالمي لأسابيع وأشهر، وهو غطاء مثالي لتمرير أجندات سياسية أو عسكرية خطيرة بعيداً عن الأضواء.
ففي الوقت الذي تنشغل فيه وسائل الإعلام والمجتمعات بتحليل قوائم الأسماء المتورطة وتفاصيل الانتهاكات المروعة، قد تكون هناك تحركات استراتيجية كبرى قيد التنفيذ، سواء كانت صراعاً إقليمياً جديداً فالتحشيدات الامريكية التي نسمع عنها ليست بسهلة ولاتهدف فقط لمواجهة ايران بل هي شكل من اشكال إعادة رسم خارطة النفوذ العالمي.
هذا السيناريو ليس جديداً فلو أجيرنا مقاربة بين هذه الفضائح واالاحداث في عام 2010، حينها نشر موقع ويكيليكس آلاف البرقيات الدبلوماسية الأمريكية السرية التي كشفت عن فساد الأنظمة الحاكمة في عدد من الدول العربية. هذه التسريبات، التي فضحت ممارسات القمع والفساد، اعتبرها الكثيرون الشرارة التي ساهمت في تأجيج الغضب الشعبي الذي أدى إلى اندلاع ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وغيرها, لكنها كانت اطار امريكيا لمايعرف بالشرق الاوسط الجديد الذي تريد امريكا اللاعب الاساسي فيه بلامنافس .
في ذلك الوقت، أثارت تسريبات ويكيليكس جدلاً حول ما إذا كانت عملاً صحفياً بحتاً أم أداة استخباراتية موجهة. وبغض النظر عن النوايا الحقيقية، كانت النتيجة واحدة: اهتزاز استقرار أنظمة راسخة وتغيير جذري في المشهد السياسي للمنطقة. التشابه بين الحالتين يكمن في استخدام “الحقيقة” كأداة. ففي كلتا الحالتين، لم تكن المعلومات ملفقة، بل كانت حقائق صادمة تم الكشف عنها في توقيت مدروس بعناية لتحقيق أقصى تأثير ممكن.
من هنا تتعدد التكهنات حول “الحدث الكبير” الذي قد تكون فضيحة إبستين غطاءً له. فالربط بين هذا التوقيت وبين تصاعد التوترات في مناطق حساسة من العالم يشير الى أن إشغال النخب السياسية والإعلامية في الغرب بفضيحة داخلية يمنح بعض القوى الدولية حرية أكبر للتحرك.
سواء كان نشر وثائق إبستين مجرد صدفة قانونية أم قراراً استخباراتياً مدبراً، فإن الأثر الذي أحدثته لا يمكن إنكاره , والاهم أن التشابه المقلق مع سابقة ويكيليكس يدعونا إلى النظر إلى ما هو أبعد من عناوين الأخبار اليومية. ففي لعبة الأمم الكبرى، غالباً ما تكون القصص الأكثر ضجيجاً هي تلك التي تهدف إلى إخفاء صوت الخطوات القادمة في الممرو يبقى على العالم أن يظل متيقظاً، فخلف دخان الفضائح، قد يكون هناك حريق كبير يُعد له.
*نقلا عن رأي اليوم
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر