المحامية. رحمه العزه*
في واحدة من أكثر اللحظات قسوة في تاريخ القضية الفلسطينية، يعود الحديث عن حلول انتقالية لما يُسمّى بـ “أزمة غزة”، من بينها طرح “مجلس السلام في غزة” كإطار إداري–سياسي لإنهاء الكارثة الإنسانية وتهيئة مرحلة إعادة الإعمار. غير أن هذا الطرح، رغم لغته الإنسانية الجذابة، يثير أسئلة عميقة حول طبيعة السلام المطروح، وحدود العمل الإنساني، ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني.
غزة اليوم لم تعد مجرد منطقة منكوبة، بل أصبحت شاهدًا على فشل النظام الدولي في حماية المدنيين، وعلى عجز الأدوات السياسية التقليدية عن معالجة جذور الصراع. وفي ظل ضغوط دولية لوقف الحرب دون محاسبة أو حلول سياسية شاملة، يبرز اتجاه يسعى لإدارة ما بعد الحرب بدل حل أسبابها. في هذا السياق، يُقدَّم “مجلس السلام” كحل براغماتي لملء الفراغ الإداري والأمني، وإدارة المساعدات، وخلق شريك فلسطيني مقبول دولياً، لكن الإشكالية تكمن في التعامل مع غزة كقضية إنسانية معزولة، لا كجزء من صراع تحرري ممتد.
المخاوف من هذا الطرح تنبع من احتمال تحوّل المجلس إلى أداة لإدارة الصراع بدل إنهائه، فالتجربة الفلسطينية، منذ اتفاقية أوسلو، أظهرت كيف يمكن للمؤسسات الانتقالية أن تتحوّل إلى كيانات دائمة، تُكرّس الواقع القائم بدل تغييره، فإعادة تعريف القضية الفلسطينية كمسألة استقرار ومساعدات، بدل الحرية والعدالة، يُفرغها من مضمونها السياسي، ويُكرّس واقع الاحتلال بصيغة أقل عنفًا وأكثر قابلية للإدارة.
كما يثير الدور الدولي في تسويق فكرة مجلس السلام، ودور القوى الكبرى التي فشلت أو امتنعت عن وقف الحرب، تسعى اليوم إلى لعب دور “الوسيط الإنساني” مشروطاً باعتبارات أمنية وسياسية تخدم ميزان القوى القائم، وإنشاء مجلس غير منبثق عن توافق وطني شامل، أو غير خاضع لآليات مساءلة شعبية، قد يُنتج قيادة بديلة تفتقر للشرعية، وتُضعف المؤسسات التمثيلية الفلسطينية، وهنا تطرح التساؤلات، هل سيكون المجلس مستقل القرار أم خاضعًا لشروط التمويل والدعم؟ وهل سيملك القدرة على رفض الإملاءات أم سيُدار ضمن سقف سياسي منخفض؟
وتُطرح تكهنات منذ انشاء “مجلس السلام في غزة” أن يكون بديلاً عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن، أو أداة لتجاوز الفيتو وضغط المجتمع الدولي، حيث يمهّد إنشاؤه لتهميش دور الأمم المتحدة في القضايا الحساسة عبر نقل إدارة النزاع إلى أطر أقل خضوعًا للمساءلة، والتخوف أن يتحوّل المجلس إلى آلية لإدارة الصراع وفق المصالح الأمريكية والدول الكبرى المشاركة معها، لا وفق مبادئ القانون الدولي وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.
ويُعد تكريس الفصل بين غزة وبقية فلسطين من أخطر تداعيات أي صيغة سياسية تعالج القطاع بمعزل عن الضفة والقدس، إذ يؤدي ذلك إلى تقسيم جغرافي وسياسي يُنتج هدنة طويلة الأمد لا سلامًا حقيقيًا، ويُراكم أسباب الانفجار بدل معالجتها.
أما مسألة نزع السلاح، فتظل من أكثر القضايا حساسية في النقاش حول مجلس السلام. فطرحها كشرط للاستقرار دون أفق سياسي واضح، أو جدول زمني لإنهاء الاحتلال ورفع الحصار، قد يحوّل غزة إلى كيان منزوع الإرادة، ويُنتج نموذج “الاستقرار القسري” الذي يمنع الانفجار دون معالجة جذوره، حيث يُثار السؤال الآن هل نزع السلاح يُمهّد لإنهاء الاحتلال، أم يجرد الفلسطيني من أدوات الردع دون ضمانات حقيقية لحل القضية؟
إن الخطر الأكبر الذي تواجهه فلسطين اليوم لا يتمثل فقط في العدوان العسكري، بل في الفراغ السياسي وتآكل القيادة الجامعة، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات التقسيم الفعلي للأرض والقضية، أو تفكك اجتماعي وأمني، يخلق فراغ للسلطة، ويحوّل السلاح من أداة مقاومة إلى أداة صراع داخلي، أو ظهور عصابات أو قوى محلية متنازعة، تتنافس على النفوذ والموارد في بيئة منهكة، ما يحوّل غزة وفلسطين عمومًا إلى ساحة فوضى منظمة، أو ستُسارع أطراف إقليمية ودولية إلى ملء الفراغ عبر مجالس محلية وإدارات انتقالية أو حتى قيادات بديلة تُقدَّم بوصفها واقعية وبراغماتية، فالسؤال المتداول الآن، من يملك الحق والقدرة على قيادة المرحلة الفلسطينية المقبلة؟
الحاجة اليوم ليست إلى كيان شكلي جديد، بل إلى إطار وطني فلسطيني موحّد، قائم على شرعية شعبية، ومشروع سياسي واضح، وقدرة تمثيلية تشمل غزة والضفة والقدس والشتات، مع استقلال نسبي عن الإملاءات الخارجية. فالوحدة الفلسطينية ليست عائقًا أمام السلام، بل شرطًا أساسيًا له، وإعادة بناء الكيان السياسي الفلسطيني لم تعد ترفاً تنظيمياً، بل ضرورة وجودية.
*كاتبة اردنية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر