الثلاثاء , فبراير 17 2026
الرئيسية / اراء / الفقرة التي حذفها رئيس الموساد عن إبستين!

الفقرة التي حذفها رئيس الموساد عن إبستين!

عواد الجعفري*
لطالما قرأت كتب السير الذاتية بشكوك كبيرة، فالكل فيها مثالي ولا يقدمون أنفسهم إلا في صورة الأبطال، ونادراً ما ينتقدون أنفسهم، وكثيرون منهم لم يتحلوا بالصدق (لأن مصادر أخرى تناقض كلامهم)، فكيف سيكون الأمر مع رجل مخابرات كل حياته أسرار وأعمال دموية؟
أتحدث هنا عن إفرايم هاليفي رئيس جهاز المخابرات الخارجية الإسرائيلي (الموساد) بين عامي 1998 و2002، وهي فترة حافلة بالأحداث والأسماء التي وردت في وثائق إبستين ( بالمناسبة ظهر اسمه بشكل عابر في الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية)، والأهم أنه أي هاليفي كان عضواً في الجهاز لنحو 3 عقود، بمعنى أنه كان شاهداً على كثير من عمليات الجهاز، وفي عالم المخابرات، العملية قد تستغرق سنوات من العمل وليس بين ليلة وضحاها وهذا ما ينطبق حرفياً على إبستين.
أصدر هاليفي كتاباً عن سيرته الذاتية عام 2006 بعنوان “Man in the Shadows”، وصدرت الطبعة العربية في العام التالي بعنوان “رجل في الظلال.. داخل أزمة الشرق الأوسط مع رجل قاد جهاز الموساد”، والكتاب موجود في الدول العربية وعلى الإنترنت.
لم يأت هاليفي من أول الكتاب إلى آخره على أساليب تجنيد الجواسيس، وهو ما فعله بقية قادة الموساد والشاباك في كتبهم أيضاً، رغم أن أي شخص ذي معرفة محدودة يدرك أن التجنيد يتم بطرق منها “التوريط” أو “الإسقاط”، أي أن يتم توريط الشخص المعني بعلاقة جنسية مع تصويره ثم ابتزازه، وقد وثقت كتب كثيرة لتلك الأساليب، ونتذكر هنا الكتاب الشهير “الضحية تعترف” الذي سعى لتوعية المجتمع الفلسطيني بحيل المخابرات الإسرائيلية وخاصة الابتزاز الجنسي.

قتل الموساد وغيره من أجهزة المخابرات الإسرائيلية في عمليات اغتيال نفذوها نحو 3 آلاف شخص راح ضحيتها ليس الأشخاص المستهدفون بل نساء وأطفال صودف وجودهم في المكان، وذلك ليس وفقاً لأصحاب نظرية المؤامرة، بل بحسب كتاب “انهض واقتل أولاً”، الذي كتبه رونين بيرغمان واعتمد فيه على مقابلات مع مئات المصادر من بينهم عدد من رؤساء الموساد السابقين، ولا يمكن القفز عن هذا الكتاب دون الإشارة إلى هذا الاقتباس اللافت: “منذ الحرب العالمية الثانية، اغتالت إسرائيل عدداً من الأشخاص يفوق ما اغتالته أي دولة أخرى في العالم الغربي”.
يزعم هاليفي في كتابه أنه صاحب فكرة إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين من السجون الإسرائيلية عام 1997، مقابل الإفراج عن عناصر الموساد الذين قبض عليهم الأمن الأردني بعد فشلهم في اغتيال خالد مشعل، الذي كان حينها رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، باعتباره مخرجاً للمأزق الذي سببته المحاولة الفاشلة.
وهو يدعي أيضاً أنه صاحب فكرة تعيين، محمود عباس، رئيساً للوزراء في السلطة الفلسطينية عام 2003، كمخرج يبقي الرئيس ياسر عرفات حياً ومعزولاً داخل المقاطعة، دون الحاجة لقتله أو طرده بما ينطوي ذلك على تداعيات غير محسوبة في خضم انتفاضة الأقصى، وفي الوقت نفسه يسحب الصلاحيات منه “نحو رجل أكثر اعتدالاً”.
يقول هاليفي في كتابه إن إسرائيل (والمقصود هنا المخابرات) تهتم بكل تطور يحدث في الشرق الأوسط، مهما كان صغيراً، وفي هذه الجزئية هو محق تماماً، فعلى سبيل المثال لا الحصر، تتابع مخابراتهم صفحات التعازي والتهاني وحتى الكلمات المتقاطعة في الصحف الفلسطينية، بكلمات أخرى: يتابعون أدق التفاصيل التي لا تظن أنها مهمة.
إذن، ما دام أنهم يهتمون بتفاصيل بالغة الصغر كهذه، فكيف لا تمر عليهم قصة بالغة الضخامة مثل إبستين؟ هذا بفرض أنه ليس عميلاً لهم. رجل يملك جزيرة وشبكة علاقات هائلة من أصحاب النفوذ والتأثير الذين يزورون تلك الجزيرة، حيث يوفر لهم إبستين “المتعة المحرمة” التي هي عبارة عن جرائم يندى لها الجبين وفق كل الأديان وكل القوانين.
هل من المعقول أنه لم تظهر على رادار الموساد أي علامة؟ سجل الاتصالات والمكالمات المعترضة، رحلات الطيران المتكررة إلى جزيرة نائية على مدار سنوات، وعلى متنها شخصيات نافذة ليست بالآحاد بل بالعشرات وربما بالمئات. أطفال وقاصرون يقتادون بانتظام إلى تلك الجزيرة، وكذلك وجود رئيس وزراء إسرائيلي سابق في الجزيرة، وهو إيهود باراك، الذي يعرف كثيرة أشياء كثيرة منها الأسرار النووية الإسرائيلية، وهو من المؤكد أنه تحت الحماية (أو تحت الرقابة لا فرق)، فمن المعروف أن هذه الشخصيات تكون تحت العين قبل أن يتحول الأمر إلى التجسس اللصيق والدائم في حال وجود مؤشرات مريبة. وعلينا ألا ننسى أن إسرائيل تطبق القاعدة الشهيرة في كتاب “فن الحرب”، وهي: ليس هناك مكان يستثنى من التجسس.
ولم يكن إبستين، كما بدا في اللقطات التي نشرت عن التحقيق الذي خضع له، شخصاً بالغ الذكاء لدرجة بناء كل هذه العلاقات مع أصحاب النفوذ في العالم، فهذه قصة شديدة الصعوبة لأسباب عدة، منها أن هؤلاء يحيطون أنفسهم بأسيجة وجدران لمنع الناس من الوصول إليهم، كما أن عملاً بهذا القدر الهائل يحتاج إلى طواقم جبارة وليس واحد أو اثنين.
كل هذا ليس كافياً؟ حسناً. الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية تشير إلى علاقة إبستين بالموساد، فمثلاً ورد اسمه 170 مرة في تلك الوثائق، بعضها مكرر وبعضها عبارة عن مقالات صحفية، لكن استوقفتني وثيقة سرية من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي “أف بي آي” تنقل فيها عن “مصدر بشري سري” أن إبستين “كان يعمل لمصلحة المخابرات الأمريكية وحلفائها، وكان مقرباً من إيهود باراك وتلقى تدريباً على التجسس تحت إشرافه”، وفي وثائق أخرى، بحث إبستين سبل الاستيلاء على الأموال الليبية المجمدة بعد عام 2011، بمشاركة عملاء الموساد والمخابرات البريطانية السابقين.
جزيرة إبستين، تبدو وكأنها أكبر عملية نفذها الموساد في تاريخه على صعيد إخضاع وتجنيد النخب، لا بغية الحصول على المعلومات، بل من أجل تحقيق مآرب أخرى، لكن ما يثير الأمر هو أنه لا يتم الحديث في الغرب عن قصة ارتباط إبستين بالموساد، مما دفع الإعلامي الأمريكي الشهير ، تاكر كارلسون، إلى التساؤل: “لماذا كان يفعل ذلك (يقصد إبستين)؟ ولمصلحة مَن يفعل ذلك؟ ومن أين أتت الأموال؟ والإجابة الحقيقية هي أن جيفري إبستين كان يعمل لصالح أجهزة استخبارات، وربما ليست أمريكية، ومن الواضح أن له صلات مباشرة بحكومات أجنبية، ولا يُسمح لأحد أن يقول إن تلك الحكومة الأجنبية هي إسرائيل”.
يقول هاليفي إن قصة المجاهدين العرب في أفغانستان التي استمرت 10 سنوات تقريباً، كانت أكبر عملية نفذتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في تاريخها (هناك شواهد أخرى تؤكد هذا الطرح)، ولم ينس أن يشير إلى أن الموساد كان هناك، ويبدو أن الفقرة التي حذفها أو رفض كشفها هاليفي في كتابه هي “أيها القراء لن أقول لكم إننا ننفذ حالياً أكبر عملية توريط، يتولاها شخص اسمه إبستين ومهمتها إخضاع نخب العالم، أو على الأقل نحن على علم بها وأنتم سيستغرق منكم الأمر 20 عاماً لتعرفوا عنها شيئاً”.
* كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

في استقبال الشهر الكريم..!

حمدي دوبلة* ساعات قليلة ويطل علينا ضيف مبارك، خفيف على الروح، عزيز على النفس، كريم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *