م. فراس الصمادي*
مشهد يتأرجح بين ضربة تلوح في الأفق وصفقة لم تولد بعد. في هذا التأرجح يتشكل مفصل تاريخي يُمهّد لسيناريوهات تعيد صياغة التوازنات، حيث تُختبر الإرادات في ميزان القوة قبل أن تُختبر في لغة التصريحات.
المناورة التقليدية لم تعد كافية. ما يجري لا يتعلق بنسب تخصيب وأرقام داخل منشآت نووية، بل بإعادة تحديد موقع إيران كلياً في معادلة يُعاد تشكيلها تحت ضغط معلن.
التموضع العسكري الأميركي ليس استعراضاً عابراً. تحريك القطع البحرية، ونشر المقاتلات المتقدمة، ورفع مستوى الجاهزية — هذه إجراءات ترفع كلفة الرفض حتى يصبح التنازل الاستراتيجي أقل خطراً من الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة. حين تتراكم عناصر الردع بهذا الشكل، يصبح التراجع مكلفاً بقدر الإقدام، لأن حشد القوة يخلق دينامية لا يمكن تجميدها طويلاً دون أن تفقد أثرها.
طهران تدرك ذلك. حديث الرئيس الإيراني عن تجاوز مرحلة “اللاسلم واللاحرب”، وربطه الأمر بتوجيهات المرشد، يعكس وعياً بأن هامش الحركة يضيق. لا أحد في طهران يبحث الآن عن مواجهة مفتوحة، لكن أحداً أيضاً لا يريد أن يبدو وكأنه تخلى عن جوهر سيادي يتمثل في حق التخصيب. السؤال لم يعد تقنياً، بل يتعلق بحدود ما يمكن التنازل عنه دون المساس بشرعية النظام في الداخل.
الضغط يتجاوز النووي. العراق يقدم مؤشراً واضحاً على إعادة ترتيب الأولويات. تصاعد الخطاب حول حصر السلاح بيد الدولة، واستبعاد الفصائل المسلحة من معادلة الحكم، وإعادة تنظيم العلاقة مع واشنطن، لا يمكن فصله عن لحظة الضغط على طهران. هذه إشارات تفيد بأن ملف الحلفاء لم يعد منطقة محرّمة، وأن النفوذ الإقليمي قد يتحول من ورقة نفوذ حاسمة إلى بند قابل للمراجعة ضمن صفقة أوسع. تراجع سقف تحرك بعض الوكلاء لا يعني انهيار المحور، لكنه يغير حساب الكلفة، والفرق كبير بين رد شامل يوسّع رقعة الاشتباك في الإقليم، ورد محسوب يضبط الإيقاع.
جوهر الصدام يتجاوز حدود الطاولة التفاوضية. واشنطن تسعى إلى هندسة اتفاق دائم يقيّد القدرة النووية بصورة جذرية، موسّعةً النقاش ليشمل الصواريخ تحت عنوان الخطر النووي. طهران في المقابل تحاول إبقاء الطاولة ضمن حدود الملف النووي، وتقدم إشارات إلى ضبط مدى الصواريخ كي لا يتحول هذا الملف إلى شرط تفاوضي ملزم. المعركة تدور حول من يحدد جدول الأعمال، لا حول تفاصيل تقنية قابلة للتدوير.
اللعبة لا تدار بين طرفين فقط. الغائب الأكبر عن طاولة جنيف حاضر في كل تفصيل منها. الصين، التي يعبر جزء حيوي من أمنها الطاقوي عبر هرمز وتمتد مبادرتها البرية عبر الأراضي الإيرانية، تنظر إلى أي إعادة تعريف لدور طهران بوصفه مساساً بجسر استراتيجي بنته خلال عقد. بكين لا تفاوض علناً، لكنها توسّع هامش الصمود الاقتصادي لطهران بما يمنع العقوبات من تحقيق خنق سريع. هذا لا يعني استعداداً صينياً للدخول في مواجهة، لكنه يعني أن حسابات طهران تتضمن افتراضاً بأن بكين لن تتركها تنهار بما يضر بمصالحها أولاً.
وفي واشنطن أيضاً لا يصدر صوت واحد. داخل المؤسسة الأمنية تحفظ واضح على أي سيناريو يفتح باب فراغ غير محسوب، في ظل تجربة العراق التي ما زالت حاضرة في الذاكرة المؤسسية. في المقابل، هناك من يرى أن لحظة الضغط الحالية قد لا تتكرر، وأن ترك إيران تخرج من هذه الجولة دون تعديل جوهري يعيد إنتاج الأزمة بعد سنوات بشروط أصعب. الجاهزية العسكرية القصوى لا تعني أن القرار قد اتُّخذ، لكنها تعني أن التراجع لم يعد بلا كلفة.
جنيف محطة اختبار فعلية. هناك سيتضح إن كان بالإمكان إنتاج أرضية مشتركة، أو أن الفجوة أعمق من أن تردمها الصياغات الدبلوماسية. فشل علني في هذه الجولة لن يكون تعثراً عادياً، وقد يتحول إلى غطاء سياسي لانتقال المرحلة من الضغط إلى الفعل.
الإيقاع الزمني لم يعد ترفاً. حين تصل الجاهزية إلى هذا المستوى، يصبح عامل الوقت نفسه جزءاً من المعادلة لا مجرد هامش انتظار. كل تأجيل يعيد توزيع عناصر القوة ويخفف أثر الحشد، ما يجعل النافذة تضيق تدريجياً حتى دون إعلان رسمي.
إذا اقترب العرض الإيراني من تقييد بنيوي طويل الأمد، يصبح احتمال صفقة كبرى تعيد تموضع إيران ضمن توازنات جديدة وارداً، مقابل رفع تدريجي للعقوبات وضمان بقاء النظام. مثل هذه الصفقة لن تكون تقنية بحتة، بل قد تُصاغ كحزمة أوسع تفتح السوق الإيرانية أمام الشركات الأمريكية وتحوّل الاتفاق إلى إنجاز قابل للتسويق الداخلي في واشنطن وطهران معاً.
في منطق الإدارة الحالية، قيمة الاتفاق لا تُقاس فقط بمستوى التخصيب، بل بقدرته على الظهور كـ”صفقة تاريخية” تعكس قدرة الرئيس على فرض شروطه. أما إذا بقي العرض الإيراني في حدود تجميد مؤقت يحفظ القدرة كاملة على المدى البعيد، فإن الصدمة العسكرية المحدودة تتحول من احتمال نظري إلى خيار عملي موضوع على الطاولة بانتظار لحظة الحسم.
ليس السؤال ما إذا كانت واشنطن قادرة. السؤال هو ما بعد الضربة.
الجاهزية اكتملت، والنافذة تضيق. غير أن القرار النهائي سيبقى رهناً بحساب الكلفة لا بحساب الرغبة، وهو حساب نادراً ما يُجرى بهدوء حين تبلغ الآلة العسكرية أعلى درجات الجاهزية.
*كاتب سياسي اردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر