الأحد , مارس 1 2026
الرئيسية / اراء / بماذا ستتقوى الأمة العربية والاسلامية لمواجهة أعدائها؟

بماذا ستتقوى الأمة العربية والاسلامية لمواجهة أعدائها؟

د. سميرة بيطام*
أيا كان الفاعل فردا أو دولة ، أن تتقوى أو تستقوى ، فهي في معالم الشرح فجوة تفصل المصطلحين بين أن تتقوى بمعنى أن يكون لك مصدر لتتغذى منه فتكسب مناعة وميكانيزمات دفاعية تقيك شر العدو ومكائد الشيطان المغرية والمبطنة بسموم دافعة لك للوقوع في الخطيئة، والتي بعضها لا يُغتفر، نعم لا يغتفر اذا تعلق الأمر بسفك دماء المسلمين وبعثرة أوراق خصوصيتهم في أن يحظوا بالعيش بكرامة وسيادة حق من المفروض لا يناقش ولا يُسلب تحت أي ذريعة كانت.
لكن أن تستقوي بغيرك ، فأنت تعتمد على مصدر آخر لتستمد منه القوة وربما اعتدت ذلك في نطاق ضعفك أو حتى عدم امتلاكك لشروط القوة الحقيقية ، فأيا كان المفهوم في مصدر القوة، فان العالم اليوم يقف على صفيح ساخن من التوترات المستجدة بسبب رغبة جامحة في الهيمنة وحب السيطرة في مجتمع دولي يتنوع بين من يملك أوراق القوة ومن يتأرجح بين الضعف ومحاولة النهوض من الانتكاسات ، وبين من يفضل مشهد الضبابية حتى لا تُفهم قواعد القوة لديه، لا يهم، لأن الظاهر أن بعض الدول اليوم تهرول اليوم نحو عقد صفقات وتحالفات من أجل تموقع وتموضع جيد يبقي لها ما تحفظ به وجهها أو يمنحها فرصة الاستقواء ، بين تنوع ديني واختلاف سياسي وايديولوجي ، تعي الشعوب العربية والإسلامية أن عالم اليوم هو غير عالم الأمس ، ثم ان الوعي الذي انتشر بين الشعوب حول حقيقة الدول التي تتغطرس كل يوم على العالم العربي والإسلامي لم يعد كالأمس ، فمبادئ الديمقراطية والانفتاح المشروع وعدم صناعة الكراهية التي كانت تُلقن في شكل دروس ، هي نفسها الدول المتغطرسة من شرعت بنودها على دول عربية .
ففي تاريخ صناعة الكراهية في العلاقات العربية –الأمريكية ، كانت حرب الخليج مثلا وعلى الرغم من توحد الوطن العربي بما يسمى بالإجماع ضد غزو العراق للكويت وتأييد التحالف العسكري بقيادة أمريكا، واشتراك بعض الدول العربية في تحرير الكويت ، الا أن تلك الملابسات التي رافقت الأحداث أفرغت ذاك التحالف من محتواه الحقيقي ( أي حدوث تقارب)، بعد انتهاء الظرف التاريخي الطارئ وتحرير الكويت عام 1991، فمن خرج للشارع حاملا الشعارات المنددة لا يختلف موقفه عن الذين عارضوا الغزو العراقي وشاركوا في التحالف ضد صدام حسين رحمه الله ، فالجميع شعر أن ثمة تناقض في المواقف الأمريكية ، لأن الذين عارضوا هجوم العراق على الكويت كانت معارضتهم بدافع التصحيح لما ارتكبه النظام العراق من هفوة في عدوانه على الكويت، لأن هذا العدوان يعتبر خرقا للمواثيق الدولية، وبالتالي فمصدر الاستقواء هنا هو مرجعية قانونية دولية، تضم رزنامة خطوط حمراء، وفي كفتي الهجوم دولتين عربيتين ومن ينظم الهجوم ميثاق دولي تعرف أمريكيا جيدا كيف تجعل منه نقطة نظام يجب أن تُحترم ولكن لحساب مصلحتها، ( للمزيد حول تفاصيل صناعة الكراهية يمكن الاطلاع على كتاب : صناعة الكراهية في العلاقات العربية –الأمريكية، تحرير وتقديم أحمد يوسف أحمد وممدوح حمزة).

فاذا كان غرض الدول وقتها هو وقف رغبة صدام حسين في أن يحقق مصالحه الشخصية ، فان الدول العربية اشتركت في تخليص الكويت من عدوانه ، وفي وسط العدوان دولة تسمى أمريكا تعرف جيدا أن مصالحها أولى أولوياتها ، وطبعا استطاع العرب وقتها أن يتعايشوا مع موقف أمريكا دون أن يتحول رفضهم للسياسة الأمريكية وأجندتها في الشرق الأوسط الى كراهية، لكن بعد مرور أحداث عديدة كسقوط نظام معمر القذافي في ليبيا وبشار الأسد في سوريا ، ظهر حدث أربك موازين القوى ، وهو طوفان الأقصى ، هذا الحدث أدرك العرب من خلاله أن الخطر سيلاحقهم ولعنة الاستقواء بلا هدف لن تمنحهم الا مزيدا من الجر بلا كر ولا فر ضمن سياق توسع لمزيد من الاضطرابات لن تكون محمودة العواقب .
ونعتقد أن الصفيح الساخن وهو أرضية الشرق الأوسط كاملة ، لأنها بدأت تسخن أكثر تزامنا مع المفاوضات الأمريكية الإيرانية الأخيرة والتي لم تزد المشهد الا تخوفا من قرع طبول الحرب ، والخوف والحذر لدول عربية وإسلامية في أن تمس حدودها ومواقعها بسبب القواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها .
وبعيدا عن نظرية المؤامرة المرضية، وبعيدا عما اذا الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين رحمه الله أنه قد ابتلع طعما وُضع له ليقوم بغزو العراق، وبعيدا عن رغبات أمريكا عبر سياستها الناعمة أحيانا والمبطنة بحب السيطرة واستغلال الثروات والتوسع والامتداد بأن يجعلها أميركا قوية دائما ومع كل استحقاق رئاسي لرؤسائها، الا أن التمدن والتحضر الذين أصبحا عبئا على كاهل العالم العربي والإسلامي في جزئيته من محاولة الاستيقاظ من السبات العميق ، يبدو شكلا من أشكال محاولة التحرر من التبعية أحيانا وشكلا من أشكال التنوع السياسي الذي يخرج الدول العربية والإسلامية من اطار الروتين الذي يحكم ويدير شؤون العرب والمسلمين من خلف ستار يجهل الكثيرون اليوم قادته الفعليون.
لكن ضمن تضييقات أمريكية باسم مكافحة الإرهاب ،يصبح النهوض الحضاري أمام جدار فاصل مانع لحدوث تلك القفزة النوعية نحو الخروج من عنق زجاجة الهيمنة بدافع من أن لكل دولة سيادة وحدود يجب أن تُصان، لكن المخطط تم دسترته دوليا في ادراج حزب الله وحركتي حماس والجهاد تنظيما إرهابية ، رغم تنديد الأمانة العامة للمؤتمر القومي العربي ولجنة المتابعة للمؤتمر القومي-الإسلامي سابقا ، أن هذا الادراج يعتبر انتهاكا للعرب والمسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية ، فهل ستقوم نفس الدول العربية والإسلامية بتوضيح موقفها لو سنت أمريكا هجوما على ايران ؟ ، ثم ما طبيعة هذا الموقف وهل سيكون بدافع الاستقواء بضرورة احترام المواثيق الدولية فيما يخص ( أحقية الدول في امتلاكها للسلاح النووي وبشروط) ، أم أنها ستلتزم الحذر في ابداء مواقفها كونها أمام حرب ستكون شاملة ولن تقتصر على ايران فقط.
ولهذا ، فالصفيح سيكون أشد لهيبا ، لأن مصير العرب بات بين كفي مصير مجهول قد يبدو مقلقا ولكنه حقيقي امتثالا لحديث رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم :
عَنْ أُمِّ المؤمنينَ أمِّ الحكَمِ زَيْنَبَ بنتِ جَحْشٍ – رَضْيَ اللهُ عَنْها أنَّ النَّبَّي صَّلى اللهُ عليه وسلَّم دَخَلَ عليْها فزِعًا يقولُ: «لا إِله إلَّا اللهُ، وَيْلٌ للعرَبِ مِنْ شَرٍّ قدِ أٌقترَبَ، فُتِحَ اليومُ من رَدْمِ يَأجُوجَ ومَأجُوجَ مثلُ هذه»، وحلَّق بأصبعيه الإبهامِ والَّتي تلِيها، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أَنَهلَكُ وفينا الصَّالحُون؟ قَالَ: «نَعَمْ إذَا كَثُرَ الخَبَثُ» متَّفقٌ عليه.
اذا ، فالمصير بات محسوما أن يكون العرب والمسلمون اليوم على استعداد لتحولات عالمية جديدة، وقد بدأ التحالف بين الهند وفرنسا، والهند وإسرائيل ، وحرب جديدة لباكستان على طالبان في أفغانستان ، ولا نعرف ان كان التوقيت محسوبا ضمن هذه التغيرات الجيوسياسية المنتظرة وما سينتج عنها من تداعيات على الأمن الغذائي ومصادر الماء مستقبلا وعلى مصادر الطاقة ، اذا لزم الأمر أن تكون أثيوبيا ومصر على موعد آخر من طرفي نزاع حول سد النهضة.
فبين التموقع والتموضع مسافة حيطة ، وبين مصادر القوة الحقيقية والاستقواء بالغير مسافة يقظة يتم فيها استدراك بعض المواقف الدولية التي شكلت بالأمس أخطاء نتجت عنها سقوط أنظمة عربية عبر ثورات الربيع العربي التي هزت الشعوب هزا وجعلتها تنتفض باسم تغيير النظام مرة وباسم استرجاع الحقوق المهضومة مرة أخرى ، ولكن شعوب آخر الزمان تعي جيدا أن التغيرات بسبب الصراعات قد تحدث طفرات وخللا في السياسة المعتمدة من أجل التوسع والامتداد، سواء تلك التي تريد التوسع من نهر النيل الى نهر الفرات أو تلك التي ترغب في أن تبقى مستقرة ومحافظة على مكانتها ،لكن على حساب الاضرار بالغير ، فهل فهمت الشعوب العربية والإسلامية الدرس ، وأنه لا مجال لتكرار الأخطاء السابقة تحت أي ذريعة كانت؟ ، وأن تسعى للتغيير الحقيقي والموزون والعقلاني الذي يستمد مبادئه وقواعده الأساسية من أجل انبعاث حضاري حقيقي من سورة الرعد ، الآية 11 ، بعد بسم الله الرحمان الرحيم ” ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.
ان التغيير الداخلي وفهم الشعوب العربية والإسلامية أن الخريطة العالمية لا تتغير بدافع القوة أو الاستقواء ولو أنها اللغة المفروضة حاليا ، بل بأمر من الله ، أنه بالغ أمره لأنه هو القاهر فوق عباده، وسط زحام التنافس للدول من أجل التموقع والريادة.
ونكتب فقرة ختام، أن ما خالف شرع الله بظلم أي عربي ومسلم في أرض الله واستباحة دمه ، يكوم لزاما على المجرم أن يسدد فاتورة اجرامه ولو على المدى البعيد، فهل ستبقى أمريكا عظيمة دائما ؟، دعوا الأحداث تجيب ، وبعض إشارات التنبيه انطلقت من تركيا ولبنان وغيرها من الدول في ترقب وحذر ومنع للسفر والتحليق على أجواء الخطر في ايران وإسرائيل، وعلى العرب والمسلمين أن يحلقوا في فضاء عقيدتهم ويستمدوا منها العبر والحكم التي تناسب مبادئهم وقيمهم الإسلامية والإنسانية بدل تلقيها في شكل دروس خاطئة من الغرب لتحقيق مصالح العدو بالدرجة الأولى ، هذا العدو الذي تعددت منابعه وامتدت أذرعه وهو اليوم يرتدي أكثر من قناع ، فالإحساس بالمسؤولية لدى العرب والمسلمين يتبلور من صياغة فكرة التحرر بعقلانية وبأقل خسائر مقدرة مسبقا، ليبقى الاستقواء مباح ولكن ليس على حساب الأبرياء.لأن القوة الحقيقة هي عدم ظلم الغير.
*كاتبة جزائرية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

مسؤولية الأُمَّــة في معادلة النصر!

شاهر أحمد عمير* في مرحلة تاريخية تتكاثفُ فيها التحديات على الأُمَّــة، وتتصاعد أشكال العدوان العسكري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *