د. كمال ميرزا*
يقول الله تعالى في الآية (160) من “سورة الأعراف”:
((وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)).
ويقول في الآية (168) من السورة نفسها:
((وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)).
في هاتين الآيتين تكذيب ودحض ربانيّ صريح لفكرة اليهود باعتبارهم شعباً عضويّاً واحداً، وهي فكرة تأسيسيّة ومركزيّة في الفكر الصهيونيّ والمشروع الصهيونيّ والدعاية الصهيونيّة.
فاليهود (وهذه الكلمة في الأساس جمع، جمع يهوديّ) ليسوا كلّا واحداً متمايزاً ومتّسقاً، وليسوا أمّةً واحدةً، وليسوا شعباً واحداً، بل هم في حقيقة الأمر “يَهوَد” أو “يهاويد” (جمع الجمع)، أي أمم وشعوب متعدّدة ومختلفة ومُقطّعة ومتباينة.
ومن هؤلاء اليهاويد مَن هم إثنيون/ علمانيّون، ومنهم مَن “يؤمنون بصيغة ما من صيغ العقيدة اليهوديّة”.
وحتى هؤلاء المؤمنين ينقسمون إلى عدة أقسام، فمنهم اليهوديّة الأرثدوكسيّة، ومنهم اليهوديّة الإصلاحيّة، ومنهم اليهوديّة المحافظة.
ويشترك الإصلاحيون والمحافظون بأنّهم لا يؤمنون بأنّ الكتاب المقدّس من الإله، وإنّما هو “مجموعة من الأقوال الحكيمة والأساطير الشعبيّة التي ألهم الخالق بعض الأنبياء بها لكنّه لم يوحِ إليهم بها (ربما كي يتسنّى لهم أن يضيفوا إليها ويحذفوا منها كما يشاؤون).
وفي هؤلاء يصدق قوله تعالى في الآية (169):
((فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)).
ويمكن للاستزادة بهذا الخصوص العودة إلى الدكتور “عبد الوهاب المسيري” في “الموسوعة” أو “الحوارات” أو أي كتاب آخر ذي علاقة.
وكمدخل بهذا الخصوص يمكن إيراد الاقتباس التالي عن “المسيري” رحمه الله، والذي يأتي ردّاً على سؤال: “وهل من أبعادٍ جديدةٍ اكتشفتها باتباعك هذا المنهج [منهج المسيري في دراسة الظواهر اليهوديّة والصهيونيّة]؟ (الحوارات – الكتاب الرابع).
“نعم أشير إلى اليهوديّة باعتبارها تركيباً مكوّناً من طبقات مختلفة مستقلّة ومتراكمة أو متجاورة، ولكنها غير ملتحمة ولا متفاعلة، ولا تخضع إلى أي معياريّة مركزيّة. أي إنّني رفضت نموذج الوحدة العضوية الذي يرى اليهودية باعتبارها كلّاً عضوياً متجانساً، ويرى أنّ اليهود على الشاكلة نفسها. ولتفسير هذا الموضع أذهب إلى أنّ المركز (الديني أو المدني) في اليهودية اختفى منذ أمد طويل، وأن أصول الدين اليهودي لم يتم تعريفها بدقة منذ البداية، الأمر الذي سمح بتطوّر الأطراف على نحو مستقل تماماً عن المركز، وأصبح للأطراف شرعية لا تقل شرعية عمّا يسمّى التيار الأساسي في اليهودية، وأصبحت الهرطقة أحياناً هي التفسير المعياريّ. وحتى قبل أن يختفي المركز، كان النسق الديني اليهودي يحوي تناقضات عميقة كثيرة، وعدداً كبيراً من المفاهيم الدينية لم يستقر. ولذا عندما تم تعريف أصول الدين اليهودي في مرحلة متأخرة (على يد موسى بن ميمون تحت تأثير الحضارة الإسلامية) كان أمراً عديم الجدوى لأنّ اللامعيارية كانت قد أصبحت جزءاً اساسياً من اليهودية. وذلك كله سمح بظهور ما أسميه الخاصية الجيولوجية التراكمية لكل من العقيدة اليهودية والهوية اليهودية (أو العقائد والهويات اليهودية إذا أردنا توخي الدقة). وعلى اختلاف الطبقات الجيولوجية بعضها عن البعض، فإنّ كل العقائد سُمّيت يهودية وسُمّي أصحاب كل هذه الهويات يهوداً. وهو أمر كان يمكن تجاهله، ولكن مع ظهور الدولة الصهيونية وبداية المواجهة بين هذه العقائد وتلك الهويات تفجّرت كثير من المشكلات. وظهرت مشكلة مَن هو اليهودي”.
وكخلاصة من بين خلاصات، فإنّ “بني إسرائيل”، “أحباب الله” و”شعبه المختار” وموضع “الوعد الإلهيّ” المزعوم، قد قُطّعوا وانتهوا كشعب وكأمّة واحدة متمايزة منذ أمد بعيد. وتكرار ذكرهم في القرآن، شأنهم شأن جميع الأمم والأقوام السابقة، هو من أجل أخذ العِبرة بكونهم “حالة نماذجيّة” للمؤدّى المقصود من القَصص القرآنيّ: لا تكونوا كبني إسرائيل، لا تكفروا كفر بني إسرائيل، لا تؤمنوا إيمان بني إسرائيل، لا تتخذوا العجل كما اتخذه بنو إسرائيل، لا تحرّفوا الكَلِم عن مواضعه كما حرّفه بنو إسرائيل، لا تلووا ألسنتكم كما فعل بنو إسرائيل، لا تتخذوا أحباركم أرباباً من دون الله مثل بني إسرائيل، احذروا مصير بني إسرائيل، احذروا أن تُقطّعوا كما قُطّع بنو إسرائيل، وأن تُضرب عليكم الذلّة والمسكنة، وأن تبوؤوا بغضب الله ولعنته، وأن يستبدلكم الله بقوم آخرين.
وكخلاصة ثانية: يهود اليوم في جملتهم كاذبون، كاذبون في انتسابهم إلى بني إسرائيل، وكاذبون في يهوديّتهم التي هي قبل أن يُحرَّف الكَلِم ويّلوى اللسان الإسلام على ملّة أبينا إبراهيم وما كان من المشركين.
*كاتب اردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر