الأحد , مارس 1 2026
الرئيسية / اراء / هل ينقذ الجنرالات الأميركيون ترامب من نفسه؟

هل ينقذ الجنرالات الأميركيون ترامب من نفسه؟

جعفر الأحمر*
بعدما استسلم الرئيس الأميركي دونالد ترامب لفكرة ان قواته الضخمة لا يمكنها شن ما يسمى “ضربة (عدوان) خاطفة نظيفة” على ايران في محاولة لاخضاعها، أي من دون خسائر، اتجه الى مسار مواز يصب في نفس الهدف: محاولة إخضاع ايران عبر حرب، قد تطول، بعد استكمال كل عناصرها، مع الأخذ بالحسبان التعرض لخسائر بشرية. وهذا بيت القصيد.
ترامب، المعروف بغطرسته، بات يتقبل فكرة الحرب على ايران مع احتمال تعرض قواته لخسائر اذا كانت النتيجة تسجيل نصر ما على ايران يسوّقه داخليا ويرضي غروره.
وبما ان ترامب اقتنع، على ما يبدو بأن الحرب ستطول، مع احتمال خسائر، فلا بد من مستلزمات لها غير الحشد العسكري الضخم.

أولى المستلزمات للحرب ما يسمى “تشكيل ملف” Building a Case، أي التمهيد للرأي العام الأميركي بضرورتها، فضلا عن موافقة الكونغرس الأميركي، على غرار الحرب على العراق. فالحرب لا يمكن تبريرها، منطقيا، الا اذا تعرضت الدولة الى عدوان أو تهديد وشيك. وهذا لا ينطبق على ايران بأي حال من الأحوال، بل العكس هو الصحيح: ايران تعرضت لاعتداء اميركي اسرائيلي غير مبرر، وما زالت تتعرض لتهديد مباشر باستئناف الحرب عليها.
وفي هذا الاطار بدأنا نسمع في الآونة الأخيرة تصريحات اميركية رسمية وتسريبات تصب في سياق التمهيد للحرب.
كان مفاجئا تصريح ستيف ويتكوف، المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط، في 21 فبراير إن إيران أصبحت “على بُعد أسبوع واحد فقط” من امتلاك مواد صناعية لصنع قنبلة نووية عبر رفع نسبة تخصيب اليورانيوم.
جاء هذا التصريح قبل 3 أيام من تصريح الرئيس الأميركي ‏للمرة الأولى، خلال خطاب حالة الاتحاد في 24 فبراير، بأن “ايران قتلت وأصابت الآلاف من الأميركيين، وانها تعيد تشغيل برنامجها النووي، وإنها طوّرت صواريخ قادرة على تهديد أوروبا وقد “تصل قريباً إلى الأراضي الأميركية”.
ثم توالت التصريحات الاميركية التي تصب في اطار تحضير الرأي العام الأميركي لحرب محتملة، ولو عبر اختراع مبررات كاذبة أو مبالغات مكشوفة.
إلا ان الأمور ليست بهذا البساطة. فالعالم لا يزال يتذكر الكذبة الأميركية البريطانية بشأن امتلاك العراق اسلحة دمار شامل و”ملف بلير” لتبرير غزو العراق عام 2003. وكان لافتاً ان زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي، وبعد خروجه مسرعا من الإحاطة الأمنية السرّية في نفس يوم خطاب ترامب عن حالة الاتحاد وجّه واحدة من أكثر رسائله حدّة منذ بدء التصعيد مع إيران، قائلا: “على الإدارة أن تشرح موقفها الى الشعب الأميركي”، في عبارة قصيرة لكنها حملت دلالات كبيرة على خطورة الموقف، تعني ان الإدارة لا يمكنها اتخاذ خطوات عسكرية أو عمليات سرّية دون مكاشفة الرأي العام.
وشومر هو أحد أبرز الشخصيات السياسية في الولايات المتحدة اليوم، ودوره يجعله لاعباً مركزياً في كل ما يتعلق بالأمن القومي.
كما كان لافتا ما تم تسريبه عن تحفظ رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال دان كين بشأن الذهاب إلى حرب مع إيران، الأمر الذي أصبح محور جدل كبير لأنه يعكس انقساماً داخل المؤسسة العسكرية حول قرار الحرب، دفع بالرئيس ترامب الى نفي هذه التقارير، لكنه اعترف بأن كين “لا يريد الحرب” مثل بقية القادة، وإن كان يعتقد أن الانتصار سيكون سهلاً إذا فُرض القتال.
يذكر ان التقارير الاخبارية نشرت ان الجنرال كين حذّر من أن الحرب مع إيران ستستنزف القوة العسكرية الأميركية، وتورّط الولايات المتحدة في صراع طويل في الشرق الأوسط .
من نافل القول ان ايران ليست العراق ولا فنزويلا، رغم فارق القوة مع الولايات المتحدة.
فما هو اذن العامل الأساسي الذي غيّر قواعد اللعبة، ودفع الرئيس الأميركي الى القول انه “متعجب من عدم استسلام ايران رغم الحشد العسكري الهائل في المنطقة؟”. فترامب كان يقلد اسرائيل في سياستها مع الفلسطينيين: اذا لم تنفع القوة فمزيد من القوة. فبات يرسل يوميا تعزيزات عسكرية الى المنطقة ويهدد ايران لعلها ترضخ. إلا انه يُصاب بخيبة بعد أخرى. طهران تظهر تحدياً غير مسبوق، حتى كاد يفقد أعصابه: “أخضعتُ معظم دول العالم، الخصوم والحلفاء، فكيف لهذه الأمة ان تتحداني؟!”.
ومع تصاعد الحشد العسكري الاميركي في المنطقة، من حاملات طائرات ومقاتلات منذ مطلع كانون الثاني (يناير) وجهت ايران في 14 يناير تحذيرا واضحا الى الولايات المتحدة بأنها سترد على أي ضربة، مهما كانت محدودة، بحرب شاملة تستهدف كل القواعد الأميركية في المنطقة، بما في ذلك اسرائيل. هذا التحذير فهمه الجنرالات الأميركيون فورا، فيما استغرق الأمر مع ترامب، بسبب غطرسته، أكثر من شهر لاستيعابه.
أصبح ترامب متل بالع الموس، واقع تحت امرين احلاهما مر: من ناحية، ضرب ايران سيؤدي لا محالة الى رد يسفر عن خسائر بشرية أميركية، مع تداعيات ذلك على مصيره.
من ناحية ثانية، خشيته من التراجع رغم تكرار التهديدات والحشد العسكري وتأثيرها على سمعته وصورته المتغطرسة.
لذلك فان اي اتفاق مع ايران، ولو كان فقط على النووي سيكون حلا وسطا لترامب، يخرج به في اقل الخسائر.
كما ان الاتفاق يناسب ايران، اذ ان رفع العقوبات هو مكسب استراتيجي لها.
ورغم اعلان ايران استعدادها لمواجة أي حرب إلا انها في الوقت نفسه تعمل على سياسة “سد الذرائع” بغية تجنيب شعبها ويلات حرب لا تريدها. ورغم تشديدها على الخطوط الحمر التي باتت معروفة، ورفع العقوبات، الا انها تبدي حماسة للمفاوضات، واستعدادا لتقديم تنازلات خصوصا بشأن نسبة تخصيب اليورانيوم، وإشارات الى امكان منح واشنطن تفضيلات اقتصادية واستثمارية، خصوصا ان الاتفاق النووي عام ٢٠١٥ رفعت واشنطن بموجبه العقوبات لكن المستفيد الأكبر اقتصاديا كانت اوروبا. فالبنية التحتية الإيرانية بحاجة إلى تطوير، مثل الطيران والنفط، و خصوصا العناصر الأرضية النادرة REE، يعتقد ان ايران تمتلك مخزونا ضخما غير مستغل سوى ٣ في المئة منه.
ورغم ان العداء المستحكم بين ايران وامريكا عميق جدا، إذ ان الولايات المتحدة لا تستسيغ وجود دولة مستقلة بالفعل لا تخضع لها، بل لا تتوانى عن مواجهتها، إلا ان المقدمات تؤدي إلى نتيجة مفادها ان الحرب ليست في مصلحة ترامب.
ورغم ذلك، فان طبيعة ترامب المتقلبة وغطرسته وتهوره يمكن ان تنسف كل هذه المقدمات ويذهب إلى حرب رغم عدم يقينه الفوز الحاسم بها كما يأمل.
فهل يمنع الجنرالات الأميركيون الحرب وهم الأدرى بتداعياتها؟
*كاتب لبناني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

مسؤولية الأُمَّــة في معادلة النصر!

شاهر أحمد عمير* في مرحلة تاريخية تتكاثفُ فيها التحديات على الأُمَّــة، وتتصاعد أشكال العدوان العسكري …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *