جاسم العزاوي*
ثمة لحظات ينهار فيها صرح البروباغندا، حين تخترق صور الأطفال الهزلى، والأحياء المسحوقة، والمقابر الجماعية درع الإنكار. بالنسبة لتاكر كارلسون وبيرس مورغان، الرجلين اللذين عُدا يوماً من أشرس المدافعين عن إسرائيل، كانت غزة هي تلك اللحظة. إن تحولاتهما ـ كارلسون من “صهيوني متعصب” إلى ناقد شرس لإسرائيل، ومورغان من مدافع مستميت عن حملتها العسكرية إلى صوت يعج بالاستنكار ـ ليست مجرد حالات شاذة، بل هي النتيجة الحتمية لمشاهدة إبادة جماعية في بث حي ومباشر. كان تحول كارلسون مذهلاً بقدر ما كان مؤثراً. لسنوات، ردد الرجل سرديات اللوبي الإسرائيلي، مصوراً إسرائيل كحليف لا غنى عنه لأمريكا. لكن في مقابلة انتشرت كالنار في الهشيم مع السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هكابي، كشف كارلسون زيف تلك الرواية. تساءل قائلاً:
“”يُقال لنا إن إسرائيل هي أعظم حليف لنا، ولكن أي نوع من الحلفاء يطالبنا بانتهاك قوانيننا وقيمنا لخدمة مصالحه”؟
تردد صدى كلماته في أرجاء الولايات المتحدة، متحديةً الملايين لإعادة النظر في الدعم غير المشروط الذي تقدمه واشنطن لتل أبيب. ولم يتوقف كارلسون عند هذا الحد، بل وصف بنيامين نتنياهو بـ “المختل المتعطش للإبادة”، واتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب، ووصف العلاقة الأمريكية الإسرائيلية بأنها “علاقة تبعية”. جاء رد الفعل فورياً؛ إذ استنفرت منظمة “أيباك” وطبقة المانحين، ووصفه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت بأنه “جبان ومخادع”. كما لُطخت سمعة كارلسون بالتهمة المعتادة: “معاداة السامية”، وهي الأداة الحادة التي تُشهر في وجه كل من يجرؤ على التساؤل عن حصانة إسرائيل من العقاب.
أما مسار بيرس مورغان فقد كان موازياً لمسار كارلسون. ففي أعقاب السابع من أكتوبر 2023 مباشرة، صرح مورغان: “أؤيد حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها بعد الهجمات الإرهابية”. كان حينها صوتاً موثوقاً للسردية الصهيونية. ولكن مع انهمار القنابل على غزة، وتحول المستشفيات إلى أنقاض، وتجويع الأطفال تحت الحصار، تبدلت لهجته. وفي مواجهة حامية مع مسؤولين إسرائيليين، قال بانفعال: “لا تعاملونا كأغبياء، حكومتكم لديها ما تخفيه في غزة”. ومثل كارلسون، اتُهم مورغان بمعاداة السامية وتعرض لهجمات الضاري الصهيوني.
ما الذي يدفع لهذه التحولات؟
إنها ليست حسابات مهنية، فكلا الرجلين خاطر بسمعته ومنصاته المربحة. وليست رؤية أيديولوجية، بل هو الضمير. إنه الثقل الذي لا يُطاق لمشاهدة محو غزة، ورؤية 160 ألف فلسطيني بين قتيل وجريح، وسماع وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت وهو يعلن: “لقد أمرت بفرض حصار كامل على قطاع غزة. لن يكون هناك كهرباء، ولا طعام، ولا وقود. نحن نقاتل حيوانات بشرية، ونتصرف بناءً على ذلك”. مثل هذه الكلمات والسياسات تنزع آخر قشرة من التبرير الأخلاقي.
ومع ذلك، يظل المدافعون عن إسرائيل بلا توبة. فقد هاجم السناتور تيد كروز كارلسون متهماً إياه بمعاداة السامية، ومصراً على أن “أيباك” ليست عميلاً أجنبياً بل منظمة وطنية. وردد سياسيون أمريكيون آخرون ذات النغمة؛ فعندما سُئلوا عن وقف إطلاق النار، رفضت الأغلبية الساحقة من أعضاء مجلس الشيوخ، وعلق أحدهم بأن “لإسرائيل الحق في إنهاء المهمة في غزة”. تكشف هذه التصريحات عن قبضة اللوبي الحديدية، والرفض المطلق للاعتراف بأن غزة قد أصبحت مقبرة.
لقد حذر كريس هيدجز، الحائز على جائزة بوليتزر، منذ فترة طويلة من الانهيار الأخلاقي الذي يصاحب الصمت أمام الفظائع، قائلاً:
“إن الإبادة الممنهجة لسكان محاصرين ـ يُقصفون ويُجوعون ويُجردون من إنسانيتهم بينما يشاهد العالم في صمت ـ ليست مجرد جريمة ضد الإنسانية، بل هي انهيار أخلاقي للنظام العالمي”.
رفض كارلسون ومورغان، رغم عيوبهما، البقاء صامتين. رأوا المشهد البشع لتدمير غزة ومهانة التبعية الأمريكية للمصالح الإسرائيلية، فتحدثوا. إن ثمن الحقيقة باهظ؛ فتحدي اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة يعني دعوة للنفي السياسي، والتشكيك في السردية يعني الوصم بالتعصب. ومع ذلك، أدرك كارلسون ومورغان أن الثمن الأكبر هو “التواطؤ”. لقد أصبح عدل القضية الفلسطينية، وصور الأطفال الجوعى، وإهانة رؤية أقوى دولة على وجه الأرض تُملى عليها الأوامر من لوبي أجنبي، أموراً لا يمكن تحملها.
إن تحولاتهما ليست مجرد مواقف شخصية، بل هي إشارة إلى شرخ أوسع في الخطاب الغربي تجاه إسرائيل. إن آلة البروباغندا تتعثر؛ فصور غزة خام جداً، والإحصائيات مذهلة، والمعاناة مرئية بوضوح. الدفاعات القديمة ـ الإرهاب، الدفاع عن النفس، معاداة السامية ـ باتت رنانة وجوفاء أمام خلفية المقابر الجماعية والأطفال الهياكل العظمية.
كارلسون ومورغان هما نذيران لتحول يرعب إسرائيل ومدافعيها: تآكل الدعم غير المشروط، وبروز المعارضة في أماكن كانت تُعتبر يوماً منيعة.
في مواجهة إبادة غزة، اختار كارلسون ومورغان الضمير، بينما اختارت الطبقة السياسية الجبن. وفي النهاية، السؤال ليس لماذا تغير كارلسون ومورغان، بل لماذا يظل الكثيرون صامتين؟ إن سحق غزة ليس نقاشاً سياسياً، بل هو اختبار أخلاقي. وفي ذلك الاختبار، اختار كارلسون ومورغان، ولو متأخرين، الحقيقة على التواطؤ، والضمير على المسار المهني. لقد اختارا الوقوف، ولو بشكل غير كامل، مع المظلوم ضد الظالم. ولهذا سيتعرضان للتشهير والهجوم، ولكن لهذا أيضاً سيذكرهما التاريخ. فالتاريخ لا يذكر الجبناء، بل يذكر أولئك الذين تجرأوا على الكلام حين كان الصمت تواطؤاً.
*كاتب واعلامي عراقي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر