الثلاثاء , مارس 3 2026
الرئيسية / اراء / مقامرة التاريخ الأخيرة لـ” نتنياهو”

مقامرة التاريخ الأخيرة لـ” نتنياهو”

 

العميد محمد الحسيني*
لم يكن اغتيال المرشد الإيراني حدثاً عسكرياً عادياً يمكن قياس نتائجه بمنطق الضربة والرد، بل لحظة صادمة دفعت كثيرين إلى طرح سؤال بدا بديهياً للوهلة الأولى: هل يسقط النظام إذا سقط رأسه؟ غير أن القراءة الأعمق داخل النقاشات السياسية والأمنية تشير إلى أن هذا السؤال نفسه قد يكون مبنياً على تصور خاطئ لطبيعة الدولة الإيرانية، وللمنطق الذي يحكم الأنظمة الثورية عندما تتعرض لصدمة خارجية كبرى.

فالنظام الإيراني لم يُبنَ حول شخص واحد مهما كانت سلطته واسعة، بل حول شبكة مؤسسات أُنشئت تحديداً لمقاومة الانهيار المفاجئ. المرشد الأعلى يمثل مركز التوازن العقائدي والسياسي، لكنه ليس المصدر الوحيد للسلطة. هناك مؤسسات دينية وقانونية وأمنية واقتصادية متشابكة، صُممت منذ قيام الجمهورية الإسلامية لتمنع الفراغ. مجلس الخبراء يمتلك آلية دستورية لاختيار خليفة بسرعة، والحرس الثوري لا يعمل فقط كقوة عسكرية بل كشبكة نفوذ تمتد داخل الاقتصاد والإدارة والأمن الداخلي. لذلك فإن اغتيال القائد لا يؤدي تلقائياً إلى انهيار البناء، بل غالباً ما يدفع هذه المؤسسات إلى التشدد لحماية نفسها.
التاريخ الإيراني الحديث يقدم دليلاً إضافياً على ذلك. فقد مرت الدولة خلال عقودها الأولى باغتيالات وتفجيرات وحرب طويلة استنزفت المجتمع والاقتصاد، ومع ذلك لم تتفكك السلطة المركزية. بل على العكس، كانت الصدمات الخارجية سبباً في إعادة إنتاج التماسك الداخلي. الأنظمة الأيديولوجية تميل إلى تحويل الخطر الخارجي إلى مصدر شرعية، إذ يتحول الصراع إلى معركة بقاء لا مجرد خلاف سياسي. وفي مثل هذه اللحظات يصبح الاعتراض الداخلي أكثر صعوبة، لأن أي معارضة تُقدَّم على أنها اصطفاف مع العدو.
وهنا يظهر عامل نفسي وسياسي بالغ الأهمية: القائد الذي يُقتل بضربة خارجية يتحول سريعاً إلى رمز. بدل أن يفتح غيابه باب المحاسبة أو النقد، يمكن أن يتحول إلى عنصر تعبئة وطنية. مشاهد الحداد الجماعي، والخطاب الذي يربط الدم بالسيادة، كلها أدوات قادرة على إنتاج التفاف شعبي حتى داخل مجتمعات تعاني من ضغوط اقتصادية أو احتجاجات سابقة. كثير من الثورات لم تسقط تحت الضغط الخارجي بل ازدادت صلابة بسببه، لأن الشعور الوطني يتقدم مؤقتاً على الخلافات الداخلية.
كما أن الحديث عن احتجاجات سابقة داخل إيران لا يكفي وحده لتوقع انهيار سريع. فالتغيير السياسي الجذري يحتاج عادة إلى اجتماع ثلاثة عناصر في وقت واحد: انقسام داخل الأجهزة الأمنية، واستمرار احتجاجات واسعة قادرة على الصمود، وانهيار اقتصادي يفقد الدولة قدرتها على دفع الرواتب وإدارة الخدمات. غياب أحد هذه العناصر يسمح للنظام بإعادة التوازن. وحتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على انقسام حاسم داخل البنية الأمنية، وهو العامل الأكثر حسماً في أي سيناريو سقوط.
بل إن الخطر الذي يقلق بعض المراقبين يتمثل في احتمال معاكس تماماً لما توقعه أصحاب نظرية “الضربة القاصمة”. فبدلاً من ظهور قيادة أضعف أو أكثر براغماتية، قد يبرز جيل أكثر تشدداً يرى أن الرد الوحيد على الاغتيال هو توسيع المواجهة. في هذه الحالة لا يصبح الحدث بداية النهاية، بل بداية مرحلة أكثر صلابة وأقل استعداداً للتسويات.
ومن هنا يرتبط النقاش الإيراني بمفهوم آخر برز بقوة في التحليلات السياسية، وهو توصيف الحرب بأنها “رهان تاريخي شخصي”. المقصود بهذا التعبير أن قرار المواجهة لم يعد مجرد خطوة أمنية محدودة، بل مقامرة استراتيجية كبرى ترتبط بإرث القيادة الإسرائيلية التي اتخذته أي بنيامين نتنياهو. فحين اختار رئيس حكومة العدو الدخول في مواجهة مباشرة مع خصم بحجم إيران، فإنه لا يختبر قدرات الكيان العسكرية فقط، بل يضع مستقبله السياسي والاقتصادي والنفسي على المحك.
الرهان يصبح شخصياً عندما تتداخل حسابات الأمن القومي مع حسابات الإرث السياسي. فنتانياهو الذي يواجه أزمة داخلية عميقة أو انقساماً مجتمعياً حاداً قد يرى في لحظة الصدام فرصة لإعادة صياغة الواقع كله دفعة واحدة. الحرب في هذه الحالة تتحول إلى محاولة لإنتاج حدث تاريخي يعيد توحيد الداخل ويعيد رسم صورة القيادة باعتبارها حامية الدولة في مواجهة خطر وجودي. النجاح قد يضعه في موقع من غيّر مسار التاريخ، أما الفشل فيحمله مسؤولية حرب طويلة لا يمكن السيطرة على نتائجها.
المشكلة أن الحروب الكبرى نادراً ما تسير وفق الحسابات الأولية. الضربة التي يُفترض أن تُضعف الخصم قد تمنحه سبباً إضافياً للتماسك. والصدمة التي يُعتقد أنها ستفجر الداخل قد تدفع المجتمع إلى الاصطفاف خلف السلطة. لذلك يظهر القلق من أن يكون الرهان قد بُني على فرضية أن النظام الإيراني هش أكثر مما هو عليه فعلاً.
كما أن عامل الزمن يلعب دوراً مركزياً. فالدول تستطيع تحمّل أيام من التصعيد، لكنها تواجه صعوبة أكبر مع أسابيع أو أشهر من الاستنزاف. الجبهة الداخلية، الاقتصاد، العلاقات الدولية، كلها تدخل تدريجياً في حسابات الكلفة. وكلما طال أمد المواجهة تقل قدرة أي قيادة على التحكم بمسارها، لأن أطرافاً أخرى تدخل اللعبة، من حلفاء إقليميين إلى قوى دولية تسعى لفرض إيقاع مختلف.
لهذا السبب يبدو السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كان النظام الإيراني سيسقط فوراً، بل ما إذا كانت الضربة قد أطلقت سلسلة تفاعلات لا يستطيع أحد ضبط نهايتها. فالأنظمة التي بُنيت على فكرة الصمود العقائدي لا تنهار بسهولة تحت الضغط الخارجي، بل قد تتحول الضربة نفسها إلى لحظة إعادة تأسيس. وفي تلك الحالة يصبح الرهان التاريخي مزدوجاً: محاولة إنهاء تهديد استراتيجي قد تتحول إلى ولادة مرحلة أكثر خطورة، حيث يخرج الخصم من الصدمة أكثر توحداً، بينما يجد من أطلق الرصاصة الأولى نفسه داخل حرب أطول بكثير مما توقع.
*كاتب لبناني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

تراحموا..!

حمدي دوبلة* وأنت تتابع فقرات البرنامج الإنساني الاجتماعي «تراحموا» الذي يقدمه الزميل المبدع عبدالملك السماوي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *