د. لينا الطبال*
صباح امس، استيقظت إسرائيل قلقة… رأت الكابوس ذاته الذي يزورها كل ليلة… رأت نفسها بلا سيطرة. فتحت عينيها بسرعة، جلست في السرير، تحسست جسدها، وتفقدت جدران وجودها بعناية… كان من الضروري أن تبقى الأشياء في أماكنها، فالعالم يجب أن يكون تحت قبضتها.
في الحلم، يفلت الزمام من يدها وهذا أمر لا يُغتفر. لذلك نهضت امس وقررت أن الشرق الأوسط يحتاج إلى جولة جديدة من الرعب… والترويع السادي.
بدأت تهلوس بعبارة “إزالة التهديد الوجودي”. التهديد دائما وجودي، والوجود دائما في خطر، والاحتلال بريء على الدوام… قد تفوح منه رائحة موتى، وقد تتبخر منه دمائنا… انما هو بريء.
لكن السؤال الذي لا يسمح الكيان الإجابة عليه: هل إسرائيل مستعدة لحرب طويلة؟ هل يملك هذا المجتمع، الذي يعيش في “فوبيا” مستمرة، شجاعة خوض حرب طويلة؟ وشعبه هناك، لم ينتهِ بعد من عدّ نوافذه المحطمة وأبوابه المخلعة من الحروب السابقة… الآف من الإسرائيليين يعيشون في ترانزيت دائم، هجروا من أحيائهم ولم يعودوا اليها…
يا لشقاء هذا الكيان الذي يقتات على الجثث… ليكتشف في النهاية أنه يأكل نفسه.
الحرب لديهم تشبه التخفيضات الموسمية: تعود كل بضعة أشهر، مع لافتات جديدة وألوان أكثر فجاجة، لكن البضاعة ذاتها: فاشية معلبة، منتهية الصلاحية، ومقرفة لحد الغثيان.
ثم يظهر دونالد ترامب، بوجه يشبه تماما “حبة بندورة صفراء” نضجت أكثر مما ينبغي تحت أضواء “السولاريوم”، يتحدث عن السلام… ترامب لا يحب الحروب الطويلة. هو يفضل الحروب القصيرة، صورة سلاح أميركي يقصف ثم يكتب تغريدة فوقه عن العظمة.
ترامب شاعري يطمح الى شرق أوسط “منزوع الأحشاء”.. عفوا، منزوع السلاح.
دون سلاح لحماس،
ولا لحزب الله
ولا لإيران.
ولا العراق.. ولا اليمن….
دون شيء يملك حق اطلاق النار … الا اسرائيل.
الدولة الوحيدة التي يُسمح لها بكل شيء: بالابادة،
وبالسلاح،
وبالطائرات،
وبالردع،
وبحق الضربة الاستباقية الدائمة.
ماذا تسمي هذا النموذج الذي يطلب من الجميع نزع سلاحه بينما يحتفظ هو بكل أدوات القوة؟
لنفترض جدلا، من باب “الفانتازيا” البحتة، أن المعجزة قد حدثت.
حماس تسلم سلاحها في موكب احتفالي تحت أضواء الفلاشات وسيارات التويوتا البيضاء النظيفة.
حزب الله يوصد مخازنه بالشمع الأحمر ويرمي المفاتيح في البحر الأبيض المتوسط،
وإيران تعلن نهاية أحلامها النووية وتحوّل مفاعلاتها إلى مصانع لغزل البنات.
هل تعتقدون حقاً ان الحكومة الإسرائيلية ستستيقظ في صباح اليوم التالي، لتفرك عينيها وتقول: ” لقد حلّ السلام، فلنجلس الآن لنتحدث عن إنهاء الاحتلال؟”
يا لساذجتكم! هل تظنون أن الأنياب التي اعتادت نهش الأرض وامتصاص الدماء ستتحول فجأة إلى ابتسامة هوليودية ؟ هل ستنسحب من الأراضي التي احتلتها ؟ هل ستتفكك المستوطنات التي نبتت كالفطريات ؟ هل سيصبح حل الدولتين فجأة مشروع وطني يُدرسونه لاولادهم؟ هل دولة مارست الإبادة في غزة ستبتسم لنا؟؟
بالطبع لا… في عقيدة “الافتراس” التي يمارسونها، بمجرد ان تختفي قوتنا، سيخرج لنا نتنياهو أو بديله، لا فرق، ليعلن “نحن الان قلقون من نواياكم”… نحن بحاجة لشرط جديد.
دائما هناك شرط جديد … سيطالبون بنزع الأفكار من الرؤوس، ونزع الحنين من القلوب، ونزع التاريخ.
إنهم يريدوننا ان نستسلم ونترك كل شيء خلفنا ونختفي…
صدقوني… لو سلمناهم مفاتيح بيوتنا ومدننا، سيطالبوننا باعتذار رسمي لأننا جعلناهم يتعبون وهم يطردوننا!
أما أنتم.. يا من تقفون في طابور التضامن مع إسرائيل ومع حبة “البندورة الصفراء”، ماذا ستكتبون غدا على حوائط الفيسبوك؟ وبأي عطر ستغلفون تغريداتكم على “إكس”؟
هل تعرفون حقا ما تفعلون؟
دعوني أخبركم بالحقيقة: لا أحد يسأل السؤال الأكثر رعبا… كم حربا يحتاج هذا الكيان الإسرائيلي لكي يشعر ولو لثانية واحدة بالأمان؟ كم “جالونا” من دمائنا يجب أن يسفك، وكم نصراََ مزيفا يحتاج هذا الكيان المهزوز ليبقى في سدة الحكم؟
الحقيقة هي أننا أمام حالة نهم مرضي للقتل. إسرائيل لا تبحث عن حدود، إنها تبحث عن ضحايا لتعوّض نقص في هويتها.
هكذا تبدأ الأشياء.. وهكذا تنتهي. ليس بزئير كما يدعون، انما بشخص شاحب، خائف… مرعوب.. مسكون بالفوبيا. شخص يحتاج في كل صباح أن يقتل، وأن يهدم، وأن يحرق، فقط ليثبت لنفسه أنه ليس خائفا.
إنهم يبنون جدرانا اعلى، ويخترعون صواريخ أذكى، لكنهم لا يستطيعون بناء اطمئنان واحد في قلب مستوطن.
يا لشقاء هذا الكيان … يظن أن تكويم الجثث سيصنع له وطن، بينما الحقيقة أن كل قطرة من دمائنا هي مسمار جديد في نعش أسطورته.
*كاتبةواكاديمية و باحثة – لبنان
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر