الأربعاء , مارس 4 2026
الرئيسية / اراء / ماذا قصدت إسرائيل بـ”أيام طويلة” من منظور عسكري؟

ماذا قصدت إسرائيل بـ”أيام طويلة” من منظور عسكري؟

العميد. محمد الحسيني*
حين يستخدم العدو الإسرائيلي توصيف “أيام طويلة” في سياق عسكري، فهو لا يحدّد مدةً بقدر ما يرسم إطاراً عملياتياً لحملة مرحلية متعددة الأطوار، يكون فيها الزمن أداة ضغط واستنزاف واختبار. المصطلح يوحي بأن القرار – إن اتُّخذ – لن يكون ردّاً موضعياً، بل مساراً تصاعدياً مضبوط الإيقاع يبدأ غالباً بصدمة جوية كثيفة، ثم يُبنى على نتائجها. وفي موازاة ذلك، تَرِد معلومات عن دخول قوات الأمم المتحدة في وضعيات تحصّن احترازية، وعن انتشار لامركزي لمقاتلي المقاومة الإسلامية في الجنوب والبقاع بانتظار اتضاح المشهد. سواء ثبتت هذه المعطيات أم لا، فهي تعكس إدراكاً متبادلاً بأن الجولة المقبلة ستُدار كحملة برية، لا كضربة عابرة.
عملياتياً، بدأت المرحلة الأولى من خلال الحملة الجوية العالية الكثافة، لتستهدف منظومات القيادة والسيطرة، مخازن الصواريخ، البنية اللوجستية، وشبكات الاتصال، مع تركيز على الاغتيالات الدقيقة لإحداث ارتباك تنظيمي. الرهان هنا مزدوج: محاولة خفض كثافة النيران سريعاً، وفرض معادلة ردع جديدة، لعدم الانزلاق إلى احتكاك بري واسع. فالاعتماد على التفوق الجوي والقدرات الاستخبارية يمنح مرونة في تصعيد الوتيرة أو خفضها، ويُبقي الكلفة البشرية المباشرة منخفضة نسبياً للطرف المهاجم. غير أن فعالية هذا الرهان مشروطة بمدى تآكل القدرة الصاروخية خلال الأيام الأولى. فالتجربة في 2006، والدروس المستقاة من هزيمة 2024، تُظهر أن المواجهة الأفضل في بنية لامركزية، موزعة ومحصّنة تحت الأرض، قادرة على الاستمرار بالإطلاق تحت الضغط، ما يحوّل «الأيام الطويلة» من أداة حسم جوي إلى مسار اختبار قاسٍ لحدود القوة الجوية.

وفي كلتا الحالتين، إذا انخفض أو لم ينخفض معدل الإطلاق بما يكفي، فإن مؤشر الانتقال إلى الهجوم البري مرتفع جداً خلال الأيام المقبلة. فالانتقال إلى المرحلة الثانية والتوغل براً لن يكون محدوداً جغرافياً وزمنياً، حيث سيهدف إلى تطهير مادي للمساحات القريبة تدريجياً، وتدمير بنية تحت السطح، وصولاً إلى تطوير الهجوم حتى حدود نهر الليطاني جنوباً، مع محاولة فرض واقع ميداني جديد بين شمال الليطاني حتى نهر الزهراني، قد يتخذ شكل منطقة عازلة خالية من السكان، بغية الضغط على المقاومة والحكومة اللبنانية في آنٍ واحد. لكن بالرغم من أن ميزة البر تمنح العدو قدرة أعلى على الحسم التكتيكي داخل نطاق السيطرة، إلا أنه يضاعف مخاطر الاحتكاك والخسائر بالنسبة إليه، وهذا ما تسعى له المقاومة، كونه يُدخل جيش الاحتلال في معركة ذات دينامية توسع تلقائي يصعب ضبطها كلما طال البقاء، وهذا لصالح المقاومة. فالبيئة القتالية في الجنوب معقّدة: تضاريس مركّبة، كمائن مضادة للدروع، وشبكات أنفاق تعيد توزيع القوة إلى وحدات صغيرة مرنة. في هذا السياق، يتحول السؤال من: كم نتقدم؟ إلى سؤال آخر: كيف نمنع الاستنزاف؟؛ إذ إن طول زمن الانتشار يضعف السيطرة على إيقاع المعركة البرية، ويرفع كلفة كل يوم إضافي.
يبقى خيار الالتفاف نحو العمق، باتجاه البقاع، مطروحاً نظرياً كوسيلة لضرب مركز ثقل لوجستي بدلاً من الاشتباك على الحافة الحدودية. الفكرة تقوم على المفاجأة العملياتية وقطع خطوط الإمداد وتهديد منصات متوسطة وبعيدة المدى. غير أن الجغرافيا حاكمة: ممرات جبلية ضيقة، طرق محدودة، ومرتفعات تشرف نارياً على السهل، ما يطيل خطوط الإمداد ويزيد قابلية القطع والاستنزاف. توسيع مسرح العمليات إلى محور شرقي يضاعف التعقيد القيادي واللوجستي، ويحوّل المعركة إلى فضاء ثلاثي الأبعاد (جنوب–شرق–جو)، وهو ما يجعله خياراً تكميلياً أو عملية خاصة سريعة أكثر منه خطة رئيسية لحملة ممتدة.
المقارنة الصافية تُظهر معادلة واضحة: الجو هو أداة البدء الأقل كلفة والأعلى مرونة؛ البر هو أداة الحسم الأعلى مخاطرة؛ والالتفاف العميق يَعِد بالمفاجأة لكنه يوسّع الجبهة ويطيل الخطوط. التحول من مرحلة إلى أخرى لا تحسمه النيات المعلنة، بل نتائج الأيام الأولى: كثافة الإطلاق، وتماسك القيادة، وقدرة كل طرف على ضبط ردوده ومنع التراكم التدريجي من تجاوز الخطوط المرسومة. “أيام طويلة” تعني أن المعركة – إن اندلعت – ستُدار كعملية متعددة المراحل، حيث يُختبر الردع يومياً، ويُعاد ضبط الأهداف وفق المعطيات الميدانية. أخطر ما في هذا الإطار ليس حجم الضربة الأولى، بل فرضية أن العدو سيتصرف وفق حسابات متوقعة؛ ففي بيئة إقليمية هشّة، يكفي سوء تقدير واحد لتحويل حملته المحسوبة إلى مواجهة مفتوحة قد يتسع مداها الجغرافي والزمني على امتداد الأراضي اللبنانية بفعل دينامية التصعيد نفسها.
*كاتب لبناني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

أهداف ونتائج الحرب على ايران!

فؤاد البطاينة* لا أتكلم شيعة أوسنة وأكره هذه التعابير لأنها استطاعت أن تطوي الإسلام وكلمات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *