د. ميساء المصري*
في خضم التصعيد المتسارع في المنطقة، لم يعد السؤال من أشعل الحرب، بل: من يديرها؟ ومن يحصد ثمارها؟ الرواية السائدة تقول إن المواجهة بين إسرائيل وخصومها هي معركة وجود وأمن. لكن تحت هذا السطح الصاخب، تتشكل رواية أخرى أكثر تعقيداً، صراع يُعاد توجيهه ليصبح أداة لإعادة ترتيب الإقليم وضرب مراكزه الحيوية، وفي مقدمتها دول الخليج.
منذ اللحظة الأولى، بدت المعركة وكأنها مواجهة مباشرة بين تل أبيب وطهران، مع انخراط واضح من الولايات المتحدة ،غير أن قراءة متأنية للمشهد تكشف أن استهداف البنية القيادية الإيرانية بما في ذلك ما أثير حول استهداف المرشد الأعلى الخامنئي قد لا يكون هدفه الحسم العسكري بقدر ما هو فتح الباب أمام فوضى داخلية طويلة الأمد.
الفوضى هنا ليست عرضاً جانبياً، بل أداة استراتيجية. إحدى الأوراق الأكثر حساسية هي الورقة الكردية القوية انها ورقة الجوكرالاسرائيلية. حيث قصفت اسرائيل القاعدة العسكرية الايرانية في مدينة سيسندج غرب ايران حيث الفرقة مشاة 28 التي تؤمن الحدود هناك وهذا القصف سبب شللا ما يسمح بالتسلل من جبال قنديل المنطقة الحدودية الوعرة، ، حيث يتمركز معقل حزب العمل الكردستاني، وهذه المنطقة الممتدة لطالما كانت نقطة اشتعال كامنة. أي إضعاف للقبضة الأمنية في غرب إيران قد يفتح المجال أمام تحركات مسلحة أو اضطرابات عابرة للحدود، وهو ما قد يدفع البلاد إلى استنزاف داخلي طويل. خاصة وان الاقلية الكردية تشكل ما يقارب ال10% من سكان إيران ، وبدأنا نشهد الآن نشاطا ملحوظ للمعارضة الكردية في المنطقة .
الحديث عن علاقات متشعبة بين قوى كردية وإسرائيل ليس جديداً في أدبيات السياسة الإقليمية، كما أن واشنطن استخدمت في مراحل سابقة أوراق الأقليات في صراعاتها. لكن الخطر يكمن في لحظة التلاقي بين الاضطراب الداخلي والضغط الخارجي، حيث يصبح التفكك احتمالاً قائماً، لا مجرد سيناريو نظري.
وإذا كانت الورقة الكردية أحد المسارات، فإن الورقة الأذرية تبدو أكثر حساسية. في شمال إيران، حيث يعيش أكثر من أربع وعشرين مليون أذري ضمن مساحة استراتيجية واسعة تقدر ب83 ألف كيلومتر مربع من مساحة إيران. هنا يبرز اسم جمهورية أذربيجان القاعدة الاسرائيلية ، والدولة التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الكيان، بما في ذلك تعاون أمني وعسكري معلن. في حال تصاعد التوتر، قد يُطرح خطاب حماية الأقليات الأذرية في إيران كغطاء سياسي لأي تدخل غير مباشر، ما يحول المحافظات الأذرية إلى ساحة صراع نفوذ مفتوح.
لكن السؤال الأهم: أين الخليج من كل ذلك؟
الفرضية المثيرة للقلق تقول إن نقل المواجهة إلى العمق الخليجي قد يكون جزءاً من استراتيجية العلم المزيّف، أي تنفيذ ضربات تُنسب إلى طرف آخر لتبرير تدخل أوسع. في هذا السياق، برزت تصريحات الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون لتؤكد الهندسة الصراعية للحرب، الذي صرح أن خلايا للموساد خُططت لتنفيذ تفجيرات في قطر و السعودية. هذه الادعاءات لم تؤكدها أي جهة رسمية، لكن مجرد طرحها يعكس حجم الشكوك المتبادلة وانعدام الثقة في السرديات المتداولة.
إذا افترضنا جدلاً صحة وجود مخططات لخلط الأوراق في الخليج، فإن الهدف لن يكون فقط إرباك العواصم الخليجية، بل دفعها إلى طلب حماية خارجية أوسع. عندها يصبح التدخل العسكري(والذي قد يكون إسرائيليا) المباشر أو غير المباشر أمراً مبرراً سياسياً تحت عنوان حماية الحلفاء وتأمين الملاحة والطاقة.
المضيق، النفط، القواعد العسكرية، والتحالفات الدفاعية… كلها عناصر تجعل الخليج قلب المعادلة. الضربات الموجعة للبنية النفطية أو للممرات البحرية ستُحدث صدمة عالمية، وتمنح القوى الكبرى ذريعة لإعادة الانتشار العسكري بكثافة، بما يؤدي عملياً إلى تطويق الإقليم بأكمله.
في هذه القراءة، لا تكون الحرب مجرد رد فعل على تهديد، بل وسيلة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية. إضعاف إيران عبر استنزاف داخلي، وإرباك الخليج عبر تهديدات أمنية، وفرض مظلة حماية غربية أوسع… سلسلة مترابطة تقود في النهاية إلى واقع إقليمي جديد ومخططات أعمق مما نرى على الساحة. والبداية واضحة بإحتلال اسرئيل لجنوب لبنان ..والبقية ستأتي لاحقا ضمن مشروع إسرائيل الكبرى.
غير أن هذه الفرضية، مهما بدت متماسكة في التحليل، تبقى في إطار بعض المعنيين قراءة سياسية رغم الحقائق المثبتة . ما هو ثابت حتى الآن أن المنطقة تقف على حافة تحولات كبرى. أي خطأ في الحسابات قد يشعل سلسلة تفاعلات لا يمكن السيطرة عليها. وإذا كانت بعض القوى ترى في الفوضى فرصة لإعادة البناء وفق مصالحها، فإن شعوب المنطقة هي التي تدفع الثمن الأكبر.
الحرب، كما تبدو اليوم، ليست مجرد صواريخ تُطلق أو قواعد تُقصف، بل معركة سرديات ومشاريع كبرى. والسؤال الذي سيحدد مستقبل الإقليم ليس من انتصر عسكرياً، بل من نجح في فرض شكل النظام القادم.
في النهاية، قد لا تكون أخطر الحروب تلك التي تُخاض في العلن، بل تلك التي تُدار في الظل، حيث تُستخدم الأوراق القومية والطائفية والإقتصادية لإعادة رسم الخريطة قطعة قطعة. وبينما ينشغل الجميع بدخان المعارك، قد يكون التغيير الحقيقي قد بدأ بالفعل… بصمت.
*كاتبة سياسية أردنية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر