الأربعاء , مارس 11 2026
الرئيسية / اراء / هل تملك الدولة حق احتكار المصير؟

هل تملك الدولة حق احتكار المصير؟

د. لينا الطبال*
في إحدى الحكايات التي تشبه كثيرا لبنان، سأل القاضي رجلا في المحكمة:
–هل تعترف بسلطة الدولة؟؟
أجابه بدهشة:

–طبعا يا سيدي…
ضاق القاضي ذرعا بيقين الرجل، وسأله:
– وأين تراها؟ اعطني دليلا واحدا على ملمس هذه السلطة في حياتك؟؟
قال الرجل وهو يشير إلى النافذة امامه:
– كلما مرّت الطائرات الإسرائيلية فوقنا… أتذكر أنها ليست هنا.
قد تبدو هذه الحكاية ساخرة، لكنها مؤلمة كثيرا ولا تُضحك احد… هذه الإجابة تعبر عن اغتراب المواطن لانه يدرك أن الحماية والأمن، الوظيفتان الأساسيتان لأي دولة، غير موجودتين.
انه يشعر بالدولة فقط كألم او كخيبة أمل تتجدد مع كل صوت طائرة اسرائيلية… ويكتشف هنا غياب الدولة.
ما هي الدولة أصلا؟ انه السؤال الذي يلاحق لبنان منذ عقود:
الدولة، في معناها الأكثر بساطة هي القدرة على الحماية والردع. فإذا سقطت هذه القدرة سقطت الدولة وبقي الهيكل البيروقراطي: مكاتب، أختام، وخطابات فارغة عن السيادة…
في لبنان، يمارس الاحتلال الإسرائيلي منذ عقود عملية يمكن وصفها بـ “إخصاء سياسي” ممنهج لفكرة الدولة في لبنان. لم يكتفِ باحتلال الأرض، ولا بالقتل والقصف والخطف. لقد احتلّ أيضا قدرة الدولة على أن تكون دولة…
لكن لا فراغ يدوم الى الابد….
الطبيعة نفسها تمقت الفراغ.. والسياسة كذلك.
عندما تنسحب الدولة من واجبيّ الحماية والردع… يظهر شيء آخر مكانهما… هنا تولد المقاومة، وتبرز كبديل غريزي.
المقاومة ليست كما يقالون بكسل، “دولة داخل الدولة”… المقاومة هي الجواب على “حالة اللادولة”، هي القوة التي تملأ الثقب الذي تركه الجيش المكبل والقرار السياسي المرتهن.
هذا المقال ليس عن السلاح بحد ذاته، ولا عن حزب أو فصيل، ولا حتى عن لبنان.
هذا المقال عن سؤال واحد يسبق كل النقاشات: هل يحق للدولة، أي دولة، أن تَحظر مقاومة الاحتلال؟
لا نتحدث هنا عن لبنان تحديدا، ولا عن إسرائيل تحديدا، اكتب لكم عن المبدأ نفسه:
هل يمكن للقانون أن يُجرم مقاومة الاحتلال؟
هذا المقال هو حول السؤال الذي يهرب منه الجميع: هل تستطيع الدولة أن تمنع حق هي أصلا عاجزة عن ممارسته؟
من الناحية القانونية الصرفة، أي على الورق،
– نعم.
لكن من الناحية الواقعية،
– يصبح الجواب مختلفا تماما… كلا ألف مرة.
لا يمكن لنظام ان يأمر شعبه تكتيف يديه بينما العدو يتربص على بعد أمتار، والا فان هذا يُعتبر دعوة رسمية للانتحار الجماعي.
هل قرأت جيدا؟؟ لا يمكن لدولة لا تحتكر القوة فعلياً أن تطلب من القوة الوحيدة القادرة على الردع أن تتخلى عن قوتها.
الدولة التي لا تستطيع حظر طائرات الاحتلال من تدنيس سمائها، لا تملك الأخلاقية السياسية لتطالب بالتخلي عن القوة التي تردع تلك الطائرات.
نعم، المسألة تصبح أقل أخلاقية وأكثر صراحة لاننا لا نستطيع بناء السيادة على الأمنيات… لا يمكنك أن تطلب من شعب يعيش تحت التهديد الدائم أن يتصرف كما لو كان يعيش في سويسرا.
سيلقي عليك احدهم درس في العلوم السياسية…
– ارجوك لا تحتج امامي بنظريات سمعت بها ولم تقرأها… لا تقرأ امامي “ماكس فيبر” وكأنك اكتشفت مفتاح الكون السياسي. هذا المفكر الذي عرّف الدولة الحديثة بأنها الجهة التي تحتكر الاستخدام المشروع للقوة كان يتحدث عن دولة تمارس سيادتها فعلا، لا عن دولة تُخترق سماؤها يومياً وتُقصف أرضها ثم تطلب من مواطنيها بعد ذلك أن يحترموا النظريات السياسية.
ومن ثم، لن ينجح أي منظر سياسي مهما بلغت بلاغته، أن يقنع شعباً بالموت الصامت قربانا لاستقرار وهمي. نحن لا نتحدث عن أزمة في القوة، نتحدث هنا عن أنطولوجيا الدولة نفسها… هذه الدولة التي فقدت وظيفتها كمنظّم للحياة، وأصبحت هي المصدر الأساسي للتعقيد.
حتى لا تقولوا انني متحيزة بآرائي، دعونى اطرح على المفكر الالماني “بيتر سلوترديك” السؤال نفسه…هل تستطيع دولة أن تطلب من الناس أن يرموا مظلاتهم بينما هي نفسها لم تبنِ سقفاً فوق رؤوسهم؟
“سلوترديك” يقول إن البشر يعيشون داخل “فقاعات حماية”. الدولة هي الفقاعة الكبيرة… المفترض أن تحمينا جميعاً.
جميل. رائع. هذه هي فحوى فلسفته السياسية.
لكن ماذا يحدث عندما تصبح هذه الفقاعة مثقوبة مثل مظلة قديمة؟ عندما تمر الطائرات فوق رؤوسنا مثل الغيوم في السماء؟… عندها يحدث شيء بسيط جدا.. بشري جدا.. غريزي جدا: الناس يصنعون لأنفسهم مظلات صغيرة.
تأتي الدولة لتقول لهم بنبرة الأستاذ:
– توقفوا فورا… المظلات ممنوعة… فقط الدولة تمتلك الحق في المظلة الكبيرة.
فيسأل المواطن – وهو ينظر إلى السماء التي تمطر : حسناً… لكن هذه المظلة الكبيرة مهترئة ولا تحمينا.
لهذا السبب تحديدًا، لا يمكن فهم حكاية القوة هنا وكأنها نقاش في مقهى.
المسألة بدأت منذ لحظة ولادة النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، مع ميثاق الأمم المتحدة بالتحديد، المادة 1 فقرة 2، وتكريسها لـ “حق الشعوب في تقرير مصيرها. ثم جاءت القرارات الاممية 2625 (1970) و (1982) 37/43 لترسي بوضوح إن الشعوب تحت الاحتلال لها حق النضال للتحرر.
ثم يأتي الميثاق ليعطي في المادة 51 الدول حق الدفاع عن النفس إذا تعرضت لاعتداء مسلح، والمادة 52 تعترف بإمكانية تنظيم ترتيبات دفاعية جماعية. هذا كله لمصلحة الشعوب المقهورة.
لكن الواقع اكثر قهرا. فحين تُخرق السيادة ويُقصف الوطن، لا يقرأ الناس الميثاق قبل أن يدافعوا عن أنفسهم. صحيح أن القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف يضعان حدودا واضحة لأعمال المقاومة منها التمييز، التناسب، والحماية.. هذه قواعد ضرورية، وهذا بالضبط ما يميز المقاومة عن الفوضى… هل تسمع؟
هنا تأتي المفارقة التي يعرفها الجميع ويتظاهر كثيرون بعدم رؤيتها: الشعوب الواقعة تحت الاحتلال نادرا ما تملك الطائرات التي تحيل الاتفاقيات إلى رماد فوق رؤوس المدنيين. في تاريخ الحروب، غالبا ما يكون المحتل هو أول من يمزق اتفاقيات جنيف…
اعرف ان مقالي طويل…
لكن في نهاية كل هذه الصفحات من المواثيق والمواد القانونية والمبادئ الفلسفية السياسية، اعود بكم إلى مشهد بسيط ومحرج في آنٍ واحد:
الدولة تريد اقرار النظام.
الاحتلال يريد السلام والأمن.
والنظام الدولي يعد بالعدالة… يوما ما.
لكن هناك شيء واحد بقي ثابت في تاريخ البشر، منذ أول قرية قاومت الغزاة وحتى اليوم.
كلمة واحدة فقط … الكلمة التي تختصر كل ما تبقى للشعوب عندما تفشل الدول وتشيخ الانظمة:
الكرامة.
الكلمة التي اختصرت تاريخ الشعوب عندما وجدت نفسها بين خيارين: أن تعيش بلا كرامة… او ان تقاوم.
*كاتبة واكاديمية وباحثة لبنانية – باريس

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

بعدَ عشرةِ أيَّامٍ مِنَ العُدوانِ على إيران!

د / عبدالعزيز بن حَبتُور* مضتْ على العُدوان الأمريكيّ الإسرائيليّ الغادِرِ على الجُمهُوريَّةِ الإسلاميَّةِ في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *