الأحد , مارس 15 2026
الرئيسية / اراء / لماذا لم تسقط طهران؟

لماذا لم تسقط طهران؟

ميشيل شحادة*
بعد أسبوعين من اندلاع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، بدأت صورة المشهد تتضح تدريجيا بعيدا عن الضجيج الدعائي الذي ملأ وسائل الإعلام في أيامها الأولى. فحتى هذه اللحظة لم تنهزم إيران، ولم تحقق الولايات المتحدة النصر الذي وعدت به نفسها وحلفائها. وفي منطق الحروب، هذه الحقيقة وحدها تكفي لفهم الاتجاه العام للنتيجة. فعندما يعجز الطرف الأقوى عن فرض إرادته وتحقيق أهدافه الاستراتيجية، يكون قد أخفق في معركته الأساسية. وحين لا يهزم الطرف الذي كان يفترض أنه الأضعف، يكون قد نجح في الصمود وفرض معادلة مختلفة على أرض الواقع.
هذه ليست صيغة خطابية أو تعبيرا سياسيا، بل قاعدة راسخة في تاريخ الصراعات الكبرى. فالنصر والهزيمة في الحروب لا يقاسان بمدة الحرب ولا بحجم الخسائر ولا بقسوة القتال، بل بالنتائج التي تُفرض في نهايتها. وحتى الآن، وبعد أسبوعين من القتال المكثف، لم يتحقق الهدف الذي دخلت واشنطن وتل أبيب الحرب من أجله: إسقاط إيران أو كسر إرادتها السياسية. بل إن ما يظهر من مجريات الأحداث يشير إلى عكس ذلك، حيث تمكنت إيران من امتصاص الضربة الأولى والرد عليها والاستمرار في إدارة المعركة دون انهيار سياسي أو مؤسسي.
الخطأ الذي وقع فيه كثير من المحللين في الغرب كان اختزال ميزان القوة في التفوق العسكري والتكنولوجي، وكأن الحروب الحديثة تحسمها الصواريخ المتقدمة والطائرات الذكية وحدها. غير أن التاريخ العسكري يعلمنا أن الحروب الكبرى تحسم بمزيج أكثر تعقيدا من العوامل: الجغرافيا، المجتمع، الإرادة السياسية، العقيدة الوطنية، والقدرة على التحمل والصمود. ومن هذه الزاوية تبدو موازين القوة الكلية أقرب إلى صالح إيران مما يتصوره الخطاب الدعائي الغربي.
فإيران تقاتل على أرضها، ضمن جغرافيتها، وبين شعبها. وهي تدافع عن وطنها وسيادتها، لا عن قواعد عسكرية بعيدة أو نفوذ سياسي في منطقة غريبة عنها. والأهم أن المجتمع الإيراني يظهر التفافا واسعا حول دولته ونظامه في مواجهة ما يُنظر إليه داخليا بوصفه حربا وجودية تستهدف البلاد واستقلالها. وهذا التماسك الداخلي يمثل عنصر قوة لا يقل أهمية عن الصواريخ والطائرات المسيرة.
منذ اليوم الأول للحرب، روّج الخطاب الأمريكي والإسرائيلي لفكرة “الضربة القاضية” التي ستؤدي إلى انهيار سريع في طهران. غير أن هذا التصور لم يكن قائما على قراءة واقعية، بل على قياس خاطئ للواقع الإيراني. ويبدو أن دونالد ترامب وقع في فخ هذا القياس. فقد اعتقد أن إخفاقات الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان وغزة وأوكرانيا كانت نتيجة ضعف أو تردد الإدارات الأمريكية السابقة، وأن رئيسا “قويًا” مثله قادر على تحقيق ما فشل فيه الآخرون.

لكن الميدان لا يسير في هذا الاتجاه. فالحروب لا تدار بالشعارات ولا بالتصورات الذهنية، بل بوقائع الجغرافيا والتاريخ والقدرة على الصمود. وقد كان ترامب يتخيل مشهد نصر تاريخي يشبه انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. لكن هذا النوع من الانتصارات لا يمكن تحقيقه ضد دولة بحجم إيران، تمتلك جيشا كبيرا واقتصادا متنوعا ومجتمعا متماسكا وجغرافيا واسعة ومعقدة.
ولهذا تبدو الإدارة الأمريكية اليوم في مأزق حقيقي: فهي ترغب في إيقاف الحرب، لكنها لا تعرف كيف تفعل ذلك دون دفع ثمن سياسي واستراتيجي كبير. فالانسحاب السريع سيبدو هزيمة، بينما قد يفتح التصعيد الأوسع أبواب حرب إقليمية يصعب التحكم بنتائجها.
في المقابل، لا تقاتل إيران بهدف تحقيق نصر خاطف في معركة واحدة. استراتيجيتها تقوم على جر الولايات المتحدة إلى حرب استنزاف طويلة، سباق نفس طويل لا يمتلك الغرب القدرة على تحمله بسهولة. فالتاريخ مليء بأمثلة قوى عظمى انهكتها حروب طويلة ضد خصوم أقل قوة عسكرية لكن أكثر قدرة على التحمل. فيتنام مثال واضح، وأفغانستان مثال آخر، والعراق شاهد قريب على حدود القوة العسكرية حين تتحول الحرب إلى استنزاف مفتوح.
والقوة الجوية وحدها لم تنجح في التاريخ الحديث في إسقاط نظام سياسي متماسك. وقد أثبتت إيران ولبنان هذه الحقيقة مرة أخرى. فبرغم الاغتيالات التي استهدفت قادة كبارا في الصف الأول، لم يتفكك النظام الإيراني ولم تنهار مؤسسات الدولة. بل جرى انتقال القيادة بسرعة وسلاسة، واستمرت مؤسسات الدولة في العمل بصورة طبيعية، في إشارة واضحة إلى أن الدولة الإيرانية ليست نظاما هشا يمكن إسقاطه بضربة واحدة.
وكذلك لم تنهزم المقاومة اللبنانية، بل عادت بعزيمة أكبر واستراتيجية أكثر فاعلية، وهو ما يعزز فكرة أن الحروب في هذه المنطقة لا تُحسم بالضربات الأولى بل بالقدرة على الاستمرار.
ومن أخطر أبعاد هذه الحرب هشاشة البيئة الإقليمية المحيطة بإيران، وخصوصا في الخليج العربي. فبينما تمتلك إيران ترسانة كبيرة من الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة، تبدو الأهداف في الطرف الآخر حساسة للغاية، بما في ذلك القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية أن بعض الرادارات المرتبطة بمنظومات “باتريوت” و”ثاد”، التي تشكل جزءا أساسيا من شبكة الدفاع الجوي الإقليمي ومنظومات التنصت الاستراتيجي، تعرضت للتدمير أو التعطيل. وهذه القواعد التي بُنيت خلال أكثر من ثلاثة عقود وكلفت تريليونات الدولارات لن يكون من السهل إعادة بنائها سريعا، سواء بسبب التكلفة الهائلة أو ضيق الوقت، خصوصا وأن عنوان المعركة أصبح واضحا: إخراج الوجود العسكري الأمريكي من فضاء المنطقة.
كما تكشف هذه الحرب عن نقاط ضعف خطيرة في البنية التحتية لدول الخليج. فدول مثل السعودية والكويت تعتمد بشكل شبه كامل على محطات تحلية المياه، وكذلك يعتمد الكيان الإسرائيلي بدرجة كبيرة على هذه المنشآت. ضربة دقيقة لهذه المحطات قد تعني خروج مدن كبرى مثل الرياض عن الخدمة خلال أيام، وتحويل أزمة المياه إلى كارثة إنسانية واسعة.
ولا يقتصر الأمر على المياه. فاقتصاد الخليج والاقتصاد العالمي يعتمد على منشآت النفط والغاز الموجودة في هذه المنطقة. وقد أصبحت هذه المنشآت في متناول الصواريخ الإيرانية الدقيقة، وتدمير جزء مهم منها قد يؤدي إلى شلل في إمدادات الطاقة العالمية وارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط.
ويبقى مضيق هرمز النقطة الأكثر حساسية في هذه المعادلة، إذ يمر عبره نحو ربع تجارة النفط العالمية. وقد بدأت الأسعار بالفعل في تجاوز حاجز المئة دولار رغم أن إيران لم تغلق المضيق بالكامل بعد. وتشير تقارير إلى بدء زرع ألغام بحرية باستخدام قوارب صغيرة، في إشارة إلى أن خيار إغلاق المضيق قد يصبح واقعًا إذا استمرت الحرب.
أما تهديدات ترامب بفتح المضيق بالقوة فتبدو أقرب إلى الوهم العسكري، لأن السفن الحربية الأمريكية الضخمة أصبحت أهدافا محتملة للصواريخ الساحلية والمسيّرات الإيرانية. وفي مثل هذه الحروب لا يحتاج الطرف الأضعف إلى السيطرة الكاملة على البحر، بل يكفيه أن يجعل المرور خطرا ومكلفا.
وفي الوقت الذي تنزف فيه واشنطن مواردها في الشرق الأوسط، يراقب لاعبان كبيران المشهد بارتياح: موسكو وبكين. فكل صاروخ “باتريوت” يُطلق في هذه الحرب هو خصم من المخزون الأمريكي المخصص لأوكرانيا أو تايوان. كما أن ارتفاع أسعار النفط يمثل هدية اقتصادية كبيرة لروسيا التي تعتمد ميزانيتها بدرجة كبيرة على عائدات الطاقة.
أما الصين، فهي تدرك أن كثيرا من السياسات الأمريكية في المنطقة تستهدف في النهاية محاصرتها استراتيجيا. وليس مستبعدا أن تقدم موسكو وبكين أشكالا مختلفة من الدعم الاستخباراتي أو التكنولوجي لإيران بهدف إضعاف الولايات المتحدة واستنزافها.
وفي المحصلة، تبدو هذه الحرب بلا أفق لنصر حاسم للولايات المتحدة أو لإسرائيل. فإيران تبدو واثقة من قدرتها على الصمود، بينما تتقلص خيارات واشنطن وتل أبيب بين مرارة التراجع أو مخاطر التصعيد.
وربما يكون الطريق الوحيد المتبقي أمام الولايات المتحدة هو وقف الحرب والقبول بالحد الأدنى من المطالب الإيرانية: الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية، إخراج ملف الصواريخ من دائرة التفاوض باعتباره حقا سياديا، والاعتراف بدورها الإقليمي.
غير ذلك يعني الاستمرار في مقامرة تاريخية خطيرة. والتاريخ يعلمنا درسا بسيطا: الإمبراطوريات لا تتعثر عادة في لحظة ضعفها، بل في لحظة غرورها.
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

نهاية الكيان!

  بسام ابو شريف* عند الساعة الرابعة من فجر الجمعة اليوم وهو يوم القدس يحتفل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *