د. بسام روبين*
بينما تنشغل الصالونات السياسية بترف التنظير والتحليل، وتغرق العواصم الكبرى في حسابات الربح والخسارة ، نجد أن جنون الحرب الذي نصبه نتنياهو لترمب قد تجاوز كل الخطوط الحمراء والأخلاق السياسية ، فلم يعد الهدف نصرا عسكريا بقدر ما أصبح النظام يقتات على أشلاء الأبرياء والأطفال، فيما سقطت هيبة القوانين الدولية في إختبار الإنسانية سقوطا مدويا ، ومع ذلك، نجد أبواقا عربية وإسلامية تتبنى هذا العدوان، بعد أن شحنت للتنازل عن كرامتها ودينها وقوانينها، وفضلت التستر على إغلاق المسجد الأقصى.
والقراءة المتأنية للمشهد الميداني تؤكد أننا أمام حالة من العمى الإستراتيجي، حيث يعتقد البعض أن القوة العسكرية الغاشمة هي المفتاح الوحيد للأمن. والحقيقة التي لا يريد أمراء الحرب سماعها هي أن الرصاص لا يبني وطنا ، وأن الدخان المتصاعد من المدن المحترقة لن يحجب شمس الحقوق التاريخية في فلسطين المحتلة، مهما طال الزمن.
فقد علمتنا الجندية أن الحرب هي الخيار الأخير للعقلاء، لكنها اليوم، بمنظار ترمب ونتنياهو، تبدو الخيار الأول بعد أن فقدوا البوصلة الإنسانية والسياسية، وأصبحوا يراهنون على إشعال المنطقة بأكملها من أجل مكاسب سياسية أو مشاريع إسرائيلية زائفة تدعمها أمريكا.
ومن يظن من الإعلاميين المرتهنين لواشنطن وتل أبيب أن نيران الحرب ستبقى محصورة في حدود جغرافية معينة، فهو واهم ، فالعالم اليوم يعيش حالة من التشابك تجعل من أي إنفجار في منطقتنا زلزالا تتردد أصداؤه في القارات الخمس. ومن هنا، فإن الرحمة اليوم لا تكمن في توزيع المساعدات فوق الأنقاض، بل في إمتلاك الشجاعة السياسية لقول كفى لأمريكا وإسرائيل.
كفى لهذا الصمت الدولي المريب الذي يغذي شهية القتل وإستنزاف خيرات الأمة.
كفى للإرتهان لأجندات أمريكية وإسرائيلية لا تخدم شعوب المنطقة ولا إستقرارها.
ورحم الله ذلك القائد، أو تلك الدولة، أو ذلك الضمير العالمي الذي يتحرك الآن، وليس غدا، لوضع حد لهذا الإنزلاق الصهيوأمريكي نحو الهاوية. فإيقاف جنون الحرب قبل فوات الأوان ليس تنازلا، بل هو ذروة السيادة وأقصى درجات الحكمة. فالمنتصر في حرب إبادة هو خاسر في ميزان التاريخ، ومن يزرع الكراهية أمس لن يحصد اليوم وغدا إلا الرماد.
لذلك، نحن بحاجة إلى رجال دولة يغلبون لغة الحوار ومصالح الأمة وشعوبها على لغة المدافع، ويدركون أن السلام الشامل القائم على العدل وإعادة الإعتبار للمقدسات هو الضمانة الوحيدة لمنع إنفجار المرجل الذي يغلي.
وخلاصة القول ، إن التاريخ لن يرحم المتفرجين، والصامتين، والمنافقين، والأبواق التي تعمل لصالح الصهاينة. والأجيال القادمة لن تغفر لمن ملك قرار وقف النزيف وإختار البقاء في مقاعد المتفرجين. فهل من مدكر قبل أن تحرق النيران الجميع؟
رحم الله من أوقف جنون الحرب ، وحفظ
الله أمتنا العربية والإسلامية
من كيد العابثين وتجار الحروب.
*كاتب اردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر