الجمعة , مارس 20 2026
الرئيسية / اراء / متى يفيق“مخمور” البيت الأبيض؟

متى يفيق“مخمور” البيت الأبيض؟

 

محمد أحمد سهيل المعشني*
​لم يعد الصمت “حكمة”، ولم يعد التريث “دبلوماسية” في يومٍ انكسرت فيه كل ستائر الحماية، وتجاوز فيه لهيب النيران منطق المال والأعمال. نحن اليوم لا نقف أمام أزمة عابرة أو شدٍّ وجذب سياسي، بل أمام “لحظة الحقيقة” التي سقطت فيها ورقة التوت عن وعود الحماية الأمريكية، وتبخرت فيها قيمة الاتفاقيات الأمنية لتصبح مجرد حبر رخيص لم يحمِ بشراً ولا شجراً ولا حجرًا.
​ما يحدث اليوم من إيلام شديد، وما طال البنية التحتية والمدنيين والمنشآت النفطية من استهداف مباشر، ليس وليد اللحظة؛ فقد طالت الصواريخ الإيرانية كل مدن الخليج منذ بداية هذه الحرب المشؤومة، وصولاً إلى ذروة القصف ليلة البارحة، الأكثر وجعاً ودماراً. وما يزيد الأمر خطورة هو السعي المحموم لإشراكنا في مواجهة مباشرة، وتحويل المنطقة إلى مسرح اختبار لأجندات لا تخدمنا. إن أمريكا وإسرائيل تريدان لنا الانخراط في الحرب، والرد على إيران، ثم يعلنون لاحقاً أن “أهداف الحرب قد تحققت”، ويتركوننا نكوي بعضنا البعض، ندفع ثمن الصراع من أمننا، ونتحمل تبعات قرارات لم نختَرها. لقد آن الأوان لنرفض بوضوح أن نكون “كيس ملاكمة” يتلقى الضربات نيابة عن “مخمور البيت الأبيض” وحمايةً لمؤخرة نتنياهو.
​في هذا السياق، يصبح الحديث عن “القوة السيادية الخليجية” أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فعندما يُغلق مضيق هرمز بالقوة الجبرية، ويتجاوز سعر النفط الـ111 دولارًا بينما نحن عاجزون عن تصدير لتر واحد بسبب الاستهداف الممنهج لمنشآتنا، فإن المنطق يفرض علينا الانتقال من وضع “الرهينة” إلى وضع “اللاعب المتحكم”. ولعل أقوى مثال على هذا النهج يأتي من روح الملك فيصل (رحمه الله)، الذي أثبت في سبعينيات القرن الماضي كيف يمكن للإرادة الوطنية أن تتحكم بمفاتيح الاقتصاد العالمي، عبر إجراءات قانونية وسيادية حاسمة.

​إن إعلان “القوة القاهرة” (Force Majeure) الشاملة على كافة إمدادات الطاقة، وتوقف العمليات في المنشآت الحيوية المهددة، ليس مجرد خيار فني، بل هو أداة إستراتيجية تحقق ثلاثة أهداف محورية:
​أولاً: سحب الذريعة؛ فبإيقاف العمل في المنشآت طوعاً، نسحب من طهران ذريعة استهداف الجيران كـ “أهداف بديلة” لإيذاء واشنطن، ونحمي بنية تحتية ومنجزات وطنية استغرق بناؤها عقوداً من الدمار العبثي. هذا القرار ليس انحيازاً لعدوان، ولا رضوخاً لتهديد، بل هو انتزاع لفتيل الانفجار من يد المقامرين بمستقبلنا، وهو السبيل الوحيد لحماية الإنسان والبنيان الخليجي من المحرقة.
​ثانياً: إفاقة “المخمور”؛ إذ سيؤدي الارتفاع الجنوني لأسعار النفط الناتج عن إعلان القوة القاهرة إلى ضغط حقيقي على الناخب الأمريكي والمصانع الغربية، مما سيجبر إدارة واشنطن على الإفاقة الفورية ولجم نتنياهو. وحتى مع لجوء دول مجموعة السبع للمخزونات الاستراتيجية، فإن تلك الاحتياطيات المحدودة لن تصمد أمام توقف طويل؛ مما يجعل القوة القاهرة الخليجية أداة ضغط قاصرة للغرب على إعادة التفاوض العاجل بدلاً من الانجرار لحرب برية مدمرة.
​ثالثاً: استعادة “الذات الإقليمية”؛ وإعلان أن أمننا ليس ورقة للمقامرة، وأننا لن نكون “حطبًا” لنار لا تخدم سوى الطموحات الإسرائيلية في تدمير الجوار العربي والإيراني معاً.
​لقد فات أوان العتب، وانتهى عهد الغطرسة الأمريكية التي لم تحمِ حتى قواعدها من الاستهداف. وأصبح “البديل الصادق” لا يُبحث عنه في الخارج وحده، بل في “الذات الإقليمية” التي تجمعنا مع جيراننا على قاعدة المصالح المشتركة والرفض المطلق للتبعية المهينة. إن إعلان “القوة القاهرة” اليوم هو صرخة استقلال تعيد صياغة التاريخ، وتقول للعالم بصوت عالٍ: “إذا لم نأمن في مدننا، فلا أمن لطاقتكم في بيوتكم”.
*كاتب وسياسي عماني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

من يوقف جنون الحرب قبل فوات الأوان؟!

  د. بسام روبين* بينما تنشغل الصالونات السياسية بترف التنظير والتحليل، وتغرق العواصم الكبرى في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *