اسيا العتروس*
أعلنت اسرائيل هذا الاسبوع عن قائمة لعشرة أسماء اعلامية مؤثرة أدانتها ب”معاداة السامية والصهيونية خلال العام 2025″، و اذا كنا لا نستعرب هذا التصنيف من كيان دأب على ملاحقة وهرسلة وترهيب كل من يفضح خروقاته فان ما نستغربه فعلا غياب أي رد فعل يذكر من المنابر الاعلامية العربية و الدولية بما في ذلك النقابات المهنية على هذه الاتهامات التي يراد منها تكميم الافواه و الاقتصار على الفرجة ازاء ما تقوم به أخطر وأكثر حكومات اسرائيل تطرفا بقيادة مجرم حرب مطلوب للعدالة الدولية …و لعلنا لا نبالغ اذا اعتبرنا أن هذه التهمة وسام شرف على صدور أصحابها وعلى رأسهم شيخ الاعلاميين الاستاذ عبد الباري عطوان القلم العروبي الذي عرفناه منذ كان رئيس تحرير “القدس العربي” التي غادرها كرها بعد ربع قرن في قاعات تحريرها بين توقيع الافتتاحيات و الحوارات والريبورتاجات الى أن أسس موقع “الرأي اليوم” الذي جعله منصة اعلامية لكل الآراء باختلاف توجهاتها لتتبارز و تتنافس في قراءة و تحليل القضايا الدولية والملفات العربية الحارقة …فلم يتخلف الموقع الذي فرض نفسه بسرعة في الخارطة الاعلامية العربية والدولية يوما عن فضح الوجه الحقيقي للاحتلال الاسرائيلي …
عبد الباري عطوان ليس في حاجة لشهادتي أو شهادة أي كان , وأن يتهم كيان الاحتلال الاستاذ عبد الباري عطوان أبو خالد بمعاداة السامية فمعناه أنه أزعج قادة الاحتلال الذين يرصدون كلماته و خطاباته التي تؤجج غضبهم لانها لا تحتاج جواز سفر و لانها عابرة للحدود و القارات فتصل كل العالم وتنقل جرائمهم و ما تصنعه قنابلهم الحارقة والفتاكة بأجساد الاطفال و النساء و كل أهالي غزة و الضفة و لبنان ..و بذلك فانه في هذه التهمة وسام شرف على صدره وهو الذي عهدناه لا يتردد عندما يتعلق الامر بفضح عنصرية و غطرسة و ظلم من سلبه أرضه و شتت عائلته و قتل و شرد أهله في غزة و أباد من عليها ..و قد كنت ولا أزال استمتع بمحادثاته كلما زرته في مكتبه في لندن الذي تديره باقتدار الزميلة مها بربار من قدماء القدس العربي ..وها اني أتطلع للقاء قريب ربما لمواصلة النقاشات حول موقعو دورو مستقبل الاعلام العربي ان كان هناك فعلا شيء اعلام يمكن وصفه بالاعلام العربي في زمن التشتت و الانهيار و الانحدار الاعلامي و على وقع الاتهامات المسلطة على الرقاب لترهيب العالم و تغييب القضية الفلسطينية التي لا يمكن لكل الحراس المجندين على كل المنابر الاعلامية الغاؤها ..لقد منحني عبد الباري عطوان كما منح غيري فضاء للتنفس و الكتابة في شتى المجالات وهو من يدرك أن حياة الصحفي لا تتوقف بانتهاء العقد المهني مع المؤسسة التي ينتمي لها ..و الاكيد أن القضية الفلسطينية لن تغيب عن هذا الموقع و ستظل العنوان الابرز فيها طالما استمر العدوان و الظلم قائما .. و كل الاتهامات التي يصدرها و يروج لها كيان الاحتلال باطلة والى زوال …
طبعا الى جانب كل اسم من الاسماء التي وردت في قائمة وزارة الشتات الاسرائيلية و التي كانت تسمى “بوزارة الاعلام و الشتات” و الهدف من تأسيسها تلميع صورة الكيان في الخارج , وخلف كل اسم من الاسماء جيل مختلف وملايين المتابعين عبر العالم و مسيرة قد تطول و قد تقصر و لكنها تشترك في رسالتها في ملاحقة جرائم الاحتلال و ممارساته و الدفع لوضع حد للغطرسة و الظلم و التوحش الذي يمارسه ..و حتى نكون منصفين و لا نجانب الصواب يمكن القول أن لكل الاسماء المذكورة موقعها في مجالها و من ذلك . “معاداة السامية كانت و لا تزال التهمة الجاهزة و سلاح الكيان لملاحقة و استهداف النشطاء و المتضامنين و الداعمين للقضية الفلسطينية .و عندما تسقط كل المبررات تكون هذه الورقة التي يمكن القول أنها ثمن تواطؤ و صمت الغرب للتخلص من عبئ المحرقة و منح الكيان الاسرائيلي صك البراءة لارتكاب كل انواع الجرائم التي ترتكب اليوم ..نعود الى قائمة الاسماء المصنفة من الكيان بمعاداة السامية و سنجد أن الهدف واحد و الرسالة واحدة و هي الترهيب لاسكات كل صوت ينادي بالحق للشعب الفلسطيني ..
– فالصحفي الامريكي تاكر كارلسون،الذي كان من مؤيدي الرىيس ترامب و من اعضاء ماغا تحول على وقع الابادة في غزة الى أحد الاصوات الاعلامية الاشد نقدا لجرائم الكيان الاسرائيلي و للدعم الامريكي الامحدود لحكومة ناتنياهو وهومن صرخ بأن شعب الله المختار لا يقتل الاطفال .. متهم حسب هذا الكيان بالترويج” لنظريات مؤامرة معادية للسامية حول النفوذ والسلطة اليهودية”.
-أما غريتا تونبرغ، أوالطفلة السويدية المتمردة على فاشية النظام العالمي فقد بدأت كناشطة في مجال المناخ، وكان لظهورها ضمن قافلة الصمود لكسر الحصار عن غزة وقعه و تأثيره في عديد الاوساط و هي اكثر من تعرض للهرسلة والاهانة بعد ايقاف اعضاء القافلة و تأثير غريتا يشمل جيلها من الشباب الجامعي الذي انتفض في الجامعات الامريكية و الاوروبية و اكتسح شوارع العواصم العالمية ضد الاحتلال ..
في المقابل فان كانديس أوينز، المعلقة الامريكية اختارت الانحياز للرواية الفلسطينية ورفض السردية الاسرائيلية الزائفة وهي متهمة بمعاداة السامية على الانترنت .. “.
وكذلك الامر لدان بيلزيريان، لاعب البوكر أميركي الذي يوصف بأنه ملك انستغرام و هو ورجل أعمال ومؤثر على مواقع التواصل الاجتماعي، يتمتع بمتابعة واسعة تحول الى عدو للكيان بعد تصريحاته بأن المعركة الحقيقة الوحيدة في العالم هي القضاء على اسرائيل و اعتبر أن الحرب على ايران لا مبرر لها .
باسم يوسف الذي ورد ضمن القائمة فهو مصري أمريكي مثقف و له قدرة على التأثير على المستمعين وقد استطاع بأسلوبه الساخر فضح عقلية الاحتلال الفاشية وتعزيز الرواية الفلسطينية لدى الرأي العام الامريكي والغربي بصفة خاصة بفصاحته وقدرته على مواجهة خصومه و هو يعتبر أن الصهيونية هي أكبر تهديد لليهود وأنها “اختطفت اليهودية” وهو لا يتردد في انتقاد سياسات الكيان الاحتلالية ..و اتباعه يعدون بالألاف و له قدرة على ا الاقناع واستقطاب المستمعين و هذا سبب يزعج الكيان …
ما يعرف عن عمر سليمان، وهو من الاسماء التي وردت في القائمة أنه رجل دين ومحاضر مسلم أميركي ومؤسس معهد ياكين للدراسات الإسلامية، و هو من دعاة حوار الاديان و لا يخفي عداءه للصهيونية و رفضه لجرائم اسرائيل ..
في المقابل فان نيك فوينتيس، وهو ناشط سياسي أميركي يحسب على اليمين المتطرف ومؤسس حركة “أميركا أولاً”، ويُصنّف وفق التقرير كشخصية بارزة معادية للسامية من قبل أجهزة إنفاذ القانون ومنظمات حقوقية..
وتبقى أنستاسيا ماريا لوبِس، الطبيبة الدانماركية أحد الاصوات التي يحسب لها الاحتلال حسابه بسبب مواقفها من سياسة الاحتلال واعتبارها اليهود والإسرائيليين على أنهم أشرار ويحكمون العالم.
وفي القائمة ايضا إيان كارول، و هو شاب وصانع محتوى أميركي، تتهمه اسرائيل بأن ما ينشره يروج لأفكار معادية للسامية، بما في ذلك ادعاءات هيمنة اليهود على الإعلام والمال والتكنولوجيا والسياسة العالمية بسبب انتقاداته للحكومة الاسرائيلية و حروبها المتكررة في المنطقة و لكن أيضا بانتقاداته للإدارة الامريكية ..و من يتابع لقاءاته على مواقع التواصل الاجتماعي يدرك ان انتقاداته تشمل كل مظاهر العنصرية ازاء السود و هيمنة و تغول اللوبيات الاسرائيلية في مؤسسات صنع القرار الامريكي ..و يذهب الى حد اتهام الصهاينة باغتيال كيندي ويعيد نبش تاريخ تأسيس اسرائيل على يد عصابات ارهابية ستحكم اسرائيل لاحقا.
من هذا المنطلق قد لا يكون الاستاذ عبد الباري عطوان في حاجة أن نتحدث عنه فارثه الواسع من الكتابات والمقالات عن القضية الفلسطينية وعن القضايا العربية يتحدث عنه.. ولكن الاكيد أن عبد الباري عطوان الذي تعلمت عنه أجيال متعاقبة كان ولا يزال صوت القضية الفلسطينية في لندن وهو الغزاوي الفلسطيني الممنوع في قوانين الاحتلال من العودة الى وطنه و لا يزال يواصل نشر رسالته عبر موقع الرأي اليوم.. وسواء اتفقنا معه أو حتى اختلفنا معه فهو مزعج للاحتلال ومزعج للكيان لانه شاهد على العصر واسرائيل لا تحب الصحفيين ولا تتورع عن تصفية الشهود والاعين التي تنقل الرواية الفلسطينية وتوثق للملاحم النضالية الفلسطينية وتفضح جرائم الكيان الارعن …
ستبقى تهمة معاداة السامية السلاح القديم الجديد الذي يرفعه الكيان في حملته الاعلامية الدعائية التي لا تتوقف لاخماد وكتم كل صوت يمكن ان ينتقد يفضح أو يعادي هذا الكيان وهو بالتالي يستفيد من الصمت والدعم الذي يحظى به في المنابر الاعلامية الدعائية للغرب التي امتهنت سياسة المكيالين .. لا خلاف أنه الى جانب كل عدوان أو حرب أو حملة عسكرية يشنها كيان الاحتلال على الشعب الفلسطيني و على غيره من شعوب المنطقة هناك بالتوازي مع ذلك حرب دعائية سابقة أو لاحقة لحروب هذا الكيان التي لا تنتهي …و حتى لا ننسى فقد كان الغاء القرار 3397 الذي اقرته الامم المتحدة في 1975 باعتبار الصهيونية شكلا من اشكال العنصرية خطا ديبلوماسيا ..و مع ذلك فان الغاء ذلك القرار لا يلغي بأي حال من الاحوال أهمية ضرورة مواصلة توثيق ممارسات الاحتلال العنصرية الصهيونية مهمة كل الاعلاميين و المؤرخين والباحثين ..
خلاصة القول أن كل القيود و الاتهامات ومحاولات الترهيب التي يمارسها الاحتلال عبر الحرب الدعائية ستفاقم و تعزز حضور القضية الفلسطينية و توسع رقعة التعاطف والتضامن الدولي الانساني الذي سيدفع الى انهاء هذه القتامة كما قال الراحل درويش “تكلم تكلم لنعرف حدا لهذا السفر “..
*كاتبة وصحفية تونسية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر