الجمعة , أبريل 17 2026
الرئيسية / اراء / أمريكا تغرق… ولبنان على الطاولة عارياً!

أمريكا تغرق… ولبنان على الطاولة عارياً!

 

ميشيل شحادة*
نحن أمام مشهد يتحرّك بسرعة تُربك حتى أكثر المراقبين خبرة. في كل يوم تتبدل المعطيات، وفي كل ليلة تظهر إشارة جديدة تنقض ما بدا ثابتا في الصباح. لذلك، فإن أي قراءة جادة للعدوان الصهيوأمريكي على إيران لا يمكن أن تبنى على يقين جامد، لأننا لا نقف أمام حرب ذات جبهة واحدة، ولا أمام صراع تحكمه فقط حسابات الميدان، بل أمام أزمة متعددة الطبقات: عسكرية، واقتصادية، دبلوماسية، نفسية، ورمزية. اللاعبون كُثر، والارتدادات لا تصيب الإقليم وحده، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي، وإلى شكل النظام الدولي الجديد الذي يتكون تحت النار، لا في المؤتمرات. واليوم، وسط هدنة هشة ومسار تفاوضي متعثر، يقول دونالد ترامب إن الحرب “قريبة جدا من النهاية”، فيما تعمل أطراف إقليمية، بينها تركيا وباكستان، على تمديد وقف النار واستئناف المفاوضات. لكن هذا الهدوء نفسه يبدو أقرب إلى استراحة بين جولتين، لا إلى سلام مستقر.
الفكرة المركزية التي يغفلها كثير من التحليل السائد هي أن إيران لا تُهزم بالطريقة التي تُهزم بها الجيوش التقليدية، لأن قوتها الحقيقية ليست فقط في الصواريخ أو الجغرافيا أو الحلفاء، بل في قدرتها على تحويل الحرب نفسها إلى عبء على خصمها. لهذا تبدو الصورة الأدق ليست “معركة لكسر إيران”، بل “رمالا متحركة”: كلما اندفع ترامب أكثر في طريق التصعيد، غرق أكثر في مستنقع الحرب. فالتصعيد قد يمنح صورة قوة في نشرات الأخبار، لكنه يخلق في الواقع شبكة من الاستحقاقات التي يصعب الخروج منها: الأسواق ترتجف، أسعار النفط ترتفع، الممرات البحرية تهتز، الحلفاء ينقسمون، والداخل الأمريكي يترنح ويبدأ في التساؤل: ما الهدف؟ وما السقف؟ وما نهاية هذا الطريق؟ حتى وزراء مالية دول كبرى حذروا هذا الأسبوع من أن استمرار الحرب أو تجددها، خصوصا إذا تأثرت حركة الملاحة والطاقة، ستكون له آثار طويلة على النمو والتضخم وسلاسل التوريد.
وهنا تبرز المفارقة: ما يبدو لترامب “ضغطا من أجل صفقة أفضل” قد يتحول إلى إعادة إنتاج لأخطاء أمريكية قديمة. في فيتنام، لم تبدأ الولايات المتحدة وهي تنوي الغرق في حرب طويلة. دخلت بالتدرج، خطوة بعد خطوة، وكل إدارة كانت تعتقد أنها تضيف فقط قدرا محدودا من القوة لضبط الميدان، فإذا بها تتورط أكثر لأن التراجع صار يبدو هزيمة، والتصعيد صار يبدو المخرج الوحيد. حتى داخل الإدارة الأمريكية نفسها ظهرت مبكرا أوراق تقول بوضوح إن واشنطن تخسر في فيتنام وتقترح “تقليص الخسائر”. لكن منطق الهيبة غلب منطق العقل. هذه هي لعنة القوة حين تظن أن إسقاط الباب هو نفسه دخول البيت.
من هنا، تبدو الخيارات أمام ترامب أقل مما توحي به خطاباته. هو عمليا أمام ثلاثة مخارج لا رابع واضحا لها. الأول: العودة إلى المفاوضات ومحاولة تذليل العقبات للوصول إلى اتفاق جديد، مع أن الخلافات الجوهرية ما زالت قائمة، خصوصا حول برنامج إيران النووي ومدة أي تجميد أو قيود محتملة. الثاني: العودة إلى حرب أكثر سخونة، لا بهدف الحسم العسكري الكامل، بل بهدف خلط الأوراق وتحسين الموقع التفاوضي. والثالث: تمديد الهدنة الحالية ومحاولة الضغط بأدوات أخرى، حصار، عقوبات، تهديدات، خنق بحري، وحرب نفسية، إلى أن يجد مخرجا دبلوماسيا يسمح له بالنزول عن الشجرة دون أن يبدو كمن تراجع. وهذه ليست فرضيات نظرية؛ فالتقارير الحالية تتحدث عن هدنة هشة، وجولات تفاوضية لم تنجح بعد، وفجوة استراتيجية بين الموقفين الأميركي والإيراني.
لكن الذي يجعل عامل الوقت قاتلا هنا هو أن الاقتصاد العالمي لا يحتمل حربا طويلة في قلب شرايين الطاقة. يكفي أن يبقى مضيق هرمز مهددا حتى يدخل العالم كله في مناخ ذعر استراتيجي. لسنا هنا أمام شأن “شرق اوسطي” محلي، بل أمام مفصل يمس التضخم في أوروبا، وأسعار الوقود في أمريكا، وكلفة النقل في آسيا، واستقرار الأسواق الناشئة في الجنوب العالمي. وكلما طال أمد الحرب، لم تعد المسألة فقط من يربح ميدانيا، بل من يحتمل اقتصاديا ونفسيا وسياسيا. لذلك فإن الزمن ليس مجرد ظرف للحرب، بل أحد أبطالها الرئيسيين. إيران تعرف ذلك. والولايات المتحدة تعرفه أيضا، لكن الاعتراف بشيء لا يعني القدرة على التحكم به.
في هذا السياق، تكتسب الساحة اللبنانية أهمية استثنائية. فالمسألة لم تعد مجرد “جبهة مساندة” أو “هامش” للحرب مع إيران. رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، قال صراحة إن ساحة القتال الرئيسية باتت في لبنان، فيما تستمر الضربات “الإسرائيلية” الوحشية الغادرة رغم الحديث عن هدنة أوسع بين واشنطن وطهران. وفي الوقت نفسه، جرت في واشنطن محادثات مباشرة بين لبنان والكيان الصهيوني، هي الأولى من نوعها منذ عقود، وسط ضغط أمريكي ورغبة “إسرائيلية” واضحة في جعل ملف سلاح حزب الله في صلب أي مسار تفاوضي. هذا يعني ببساطة أن لبنان لم يعد يُعامل كساحة مستقلة، بل كورقة ضغط مركزية في إدارة الصراع الأكبر.
ومن هنا أصل إلى النقطة الأكثر إيلاما: ارتكبت الحكومة اللبنانية خطأ تاريخيا بالذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع الكيان الصهيوني وهي شبه عارية من عناصر القوة. المسألة ليست أخلاقية بل بنيوية: ماذا تملك لتقدم، وماذا تتوقع أن يُمنح لها مجانا؟ التجربة تؤكد أن هذا الكيان لا يكافئ التنازلات، بل يراها ضعفا ويضغط لانتزاع المزيد. منطقه ليس “خذ وأعط”، بل “أعطني أكثر”. لذلك، فإن الذهاب إلى الطاولة بلا أوراق قوة أو توازن ردع هو انتقال من موقع الند إلى موقع المتسول. وفيما يطلب لبنان وقف النار والانسحاب وإعادة الإعمار، يركز الكيان الصهيوني على نزع سلاح المقاومة وإعادة تشكيل التوازن الداخلي بما يخدم أمنه وأطماعه.
ولمن يظن أن هذا الحكم قاس، فالتاريخ اللبناني نفسه يقدم الدليل. في عام 1983، وُقع اتفاق 17 أيار بين لبنان و”إسرائيل” بوساطة أمريكية، بعد اجتياح 1982. يومها رُوج له بوصفه طريقا إلى الانسحاب واستعادة السيادة. لكن الاتفاق انهار سريعا تحت ضغط موازين القوى الداخلية والإقليمية، لأن النص شيء، والقدرة على فرضه شيء آخر. لقد كان اتفاقا أكبر من قدرة الدولة اللبنانية على حمله. وهذا هو الدرس الذي يعود اليوم بوجه جديد: لا يكفي أن تُوقع على الورق ما لا تستطيع حمايته في الواقع. فالسيادة لا تُستعاد باللغة وحدها، ولا بالتمني، بل بميزان قوة يحميها.
بل إن حرب تموز 2006 نفسها تُثبت أن الكيان الصهيوني، حين يعجز عن فرض شروطه نهائيا، يقبل بوقف نار لا لأنه يحقق أهدافه كاملة، بل لأنه يوقف الاستنزاف عند حد معين. قرار مجلس الأمن 1701 أنهى حربا استمرت 34 يوما، ودعا إلى وقف النار، وانتشار الجيش اللبناني وقوات الأمم المتحدة في الجنوب، وانسحاب “إسرائيل” وحزب الله من تلك المنطقة. لكن حتى ذلك القرار، الذي بدا حينها إطارا دوليا جامعا، لم يُنه جوهر الصراع، بل جمده. لماذا؟ لأن الصراع الحقيقي لم يكن فقط على الحدود، بل على من يملك تعريف الأمن ومن يفرضه. وهذا ما يتكرر اليوم بطريقة أكثر تعقيدا وخطورة.
لهذا، فإن السؤال الصحيح ليس: هل انتهت الحرب أم ستعود؟ بل: ما شكل الحرب القادمة، وأين ستُدار، وبأي أدوات؟ حين يقول ترامب إن الحرب مع إيران “قريبة جدا من النهاية”، قد يكون يقصد نهاية مرحلة لا نهاية صراع. وحين يقول إيال زامير إن لبنان هو ساحة القتال الرئيسية، فهذا اعتراف بأن مركز الثقل انتقل أو يُراد له أن ينتقل إلى حيث يمكن الضغط على إيران بصورة غير مباشرة، وتصفية الحساب مع لبنان في الوقت نفسه. بهذا المعنى، تصبح الساحة اللبنانية ليست هامشا للحرب الأمريكية–الإيرانية، بل واحدة من أكثر ساحاتها حساسية، لأنها تصلح أن تكون ميدانا للتفاوض بالنار.
في الختام، ما يجري يتجاوز كونه حربا بين واشنطن وطهران، ويتخطى حدود وقف نار عابر أو جولة تفاوض عابرة. نحن أمام لحظة مفصلية يُعاد فيها رسم خرائط المنطقة، ويُختبر فيها وزن الولايات المتحدة، ويُقاس فيها صعود قوى أخرى إقليمية ودولية. وفي قلب هذا التحول، يُعاد تعريف لبنان: أهو دولة تفاوض من موقع السيادة، أم ساحة يُتفاوض عليها لا بها؟
الحقيقة الموجعة أن من يهمل دروس التاريخ، يدفع كلفتها مضاعفة. والتاريخ لا يهمس بل يعلن: ليس كل تصعيد قوة، فبعضه ذعر يتخفى في هيئة قرار. وليست كل مفاوضات شجاعة، فبعضها إقرار بالعجز حين تأتي بلا أوراق، وبلا قدرة على فرض الكلفة.
أما إيران، فلا تحتاج دائما إلى نصر عسكري مباشر؛ يكفيها أن تدفع خصمها إلى الاستمرار… واثقًا، ثابت الخطى، نحو الرمال المتحركة.
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

مفاوضات أمريكا وإيران!

عبدالرحمن مراد* منذ الثورة الإيرانية عام 1979 إلى اليوم وهو زمن يمتد لنصف قرن من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *