فؤاد البطاينة*
منطقة الشرق الأوسط هي مبعث حضارة الإنسان ومركز صراع الحضارات والعاصمة التي تمنح أوراق الإعتماد للهيمنة على العالم. واليوم هي رقبة هذا العالم وسر قوتِه وقوته، ومركز صراع الثقافات التي الدين مكونها الأساسي. لتصبح الأطماع فيها قائمة في السلم والحرب. فالحروب فيها تخمد ولا تنتهي ولا تقوم إلا على الإحتلال والهيمنة. وعلى هذا الجيل منا حكاما وشعوباً أن يعلموا بأنهم مفصولون عن حركة التاريخ ورسوخ الجغرافيا واستحالوا لأصحاب شعائر سياسية ودينية تلبسهم، وتثريهم السذاجة حين لا يقرؤون المشهد متكاملا ليتلمسوا موطئ قدمهم على شفا الحفرة، وليدركوا بأن إيران دولة ليست طارئة على تاريخ العالم والمنطقة وبأنها نهضت من جديد بثورتها الإسلامية وهي تحمل موروثاً تاريخياً وعقيدة سياسية مرجعيتها روحية، وبكفين يحمل الأول جرساً لأمة المنطقة، ويرفع الثاني سيفاً بوجه غزاتها. فإيران قد تتعثر أمام قوى غاشمة ولكنها لا تسقط أبداً.
وفي الإقليم لا يُمكن للعرب الظفر بالنهوض وهم خراف في حضن الذئب، ولا لإيران أن تكون إلا صديقة ومتكاملة وحليفة لهم، ولا لمصر أن تستعيد تاريخها الحضاري وتكون آمنة وتُطعم ملايينها وتسقيهم ما لم تصحو وتقرأ نفسها وتقرأ كيان الإحتلال الغريب وكيف أصبحت تناظره ويده هي العليا عليها. ولا لتركيا أن تنجو وتنهض إلا بثورة بيضاء تخرجها من عباءة الصهيونية. فميزانها مقلوب ومأساوي حين تعلن “إسرائيل” أن تركيا دولة عدوة، بدلا من أن تكون تركيا هي التي تعلن بأن الكيان عدو لها. لقد بات مفهوماً بأن مسار الطلقة التي توجه لإيران هو صوب أكباد العرب تحديداً وأشباههم التالي. على أن يكون مفهوما بأن “إسرائيل “لو كانت وحدها أو بدون تعاون أنظمة العرب معها لتمكن الفلسطينيون وحدهم من إزالتها في أيام.
هذه المنطقة لن تكون أمنة ولا مستقرة ما لم تضع الأنظمة العربية الأمور في نصابها الصحيح وتدرك بأن لا ضمانة لوجودها مع كيان احتلال غريب توسعي في المنطقة ولا مع علاقات مأجورة زائفة مع أمريكا الصهيونية. وما لم تُفعل معرفتها بكيف تكون الدولة راسخة عندما تكون جزءا منتمياً لمحيطها وتعادي عدوها ولا ترتمي بحضنه، وعندما تستخدم مقدراتها الجيوسياسية للحفاظ على سلامة سيادتها وقرارها السياسي، وتهجر الفساد الذي لا دولة معه. ولا أدري إن كانت الأنظمة العربية ستعي قبل أن يأتها الطوفان التاريخي. إنها التي شرّعت ابواب المنطقة للغزاة ومكنت الصهيونية من إقامة كيانها وأضفت شرعية دولية على وجوده ومكنته من ترسيخ احتلاله وتهويده لفلسطين بتطبيعها وتعاونها معه. إنها خلف المذابح الجماعية في غزة.
وفي هذا السياق علينا أن لا نمرر لعبة بعض حكام المسلمين والعرب العميقة بخيانتها العميقة عندما يحولون القضية الفلسطينية والإحتلال وجرائمه إلى قضية خصومة مع شخص نتنياهو أو طغمته ليختبؤن خلف الصدامات معهم. فقضيتنا هي مع وجود كيان يهودي صهيوني محتل لفلسطين ويرتكب جرائم الإبادة منذ قيامه ويعلن تطلعاته لاحتلال دول بأكملها والهيمنة على الإقليم. تقييمنا لأي نظام أو حاكم لدولة عربية أو إسلامية لا يمكن أن يكون إلا على أساس موقفه من وجود هذا الكيان ككل، لا على أساس علاقته بأشخاص أو شخص فيه مسؤولاً ً كان أو سباكاً فكلهم وحدة استيطانية في فلسطين تدافع عن احتلالها ومشروعها بالمذابح الجماعية. وبهذا فإني إذ احيي الشعب التركي الحر المسلم في وقفته المميزة مع إيران لأنصح أردوغان بمخافة الله وشعبه والتوقف عن اللعب على الأحبال.
نأتي للحرب على إيران. وأراها تحولت إلى مرحلة في الصراع في الشرق الأوسط، وباتجاه الدخول في حالة بيات قد تطول بلا أفق. صنعه فشل أمريكا بتحقيق ما شنت من أجله حربها ونزوعها لإصلاح أثار عدوانها القاتلة عليها وعلى العالم. فالأمر قد استقر بتعامل أمريكا مع إيران كند عسكري وسياسي وهو الحدث الأبرز. ووقع ترامب في ورطة معقدة مع الكيان والصهيونية كجهة محرضة على استئناف الحرب التي حجمت طموحاته في المنطقة، ومع الوسط الأمريكي الرافض للحرب واستئنافها. أما حكام العرب المراهنين على أمريكا فكانت النتائج صادمة لهم وتهز شرعية عروشهم. ومن المفترض أن تفتح نتائج هذه الحرب صفحة صراع مع أنفسهم ومع شعوبهم. فهذه الحرب التي دفعوا أثمانها كشفت عن أن قيمتهم ومركزهم السياسي لم يكن عند أمريكا والكيان إلا كقيمة ومركز أسير عار سلطة أوسلو في رام الله.
إنه الظرف للأخذ بمنطق الأشياء الذي يقول، بأن “اسرائيل ” طالما أرادت لنفسها أو لمشروعها البقاء فهي محكوم عليها أن تكون وتبقى في حالة صراع وجودي مع العرب وإخضاعي لكل دولة إسلامية حتى لو ذهبوا إلى تل أبيب راكعين. ومن ذات المنطق يُفترض بالدول الإسلامية والعربية خاصة أن تصل لقناعة بأنها لن تجد أي دولة فاعلة أو كبرى تقبل أن تتحالف مع أي منها تحالفاً استراتيجياً صادقا أو تتدخل ً لدعمها أو حمايتها في صراع مع إسرائيل بأي ثمن، خوفاً من مواجهة الصهيونية العالمية، ورغبة في أن لا تتوحد هذه المنطقة لتبقى مصالحهم مؤمنة بالفتن والإبتزاز. فبعض الدول الكبرى تتمنى أخذ دور أمريكا في حماية الكيان، وإن لم تكن الهجمة على العرب ودول المنطقة لنصرة الكيان أمريكية لكانت أوروبية، وإن لم تكن أوروبية ستكون صينية أو روسية.
وبناء عليه، وبعد فضح زيف الوهم الأمريكي فليس أمام دول المنطقة إلا أن تبني سياساتها على حقيقة أنها كلها مستهدفة في النهاية من قبل الإخطبوط الصهيوني والكيان قاعدته. إنها مهمة دول المنطقة التي تمسك الأرض وتمتلك شريان حياة العالم المعاصر في أن تعي وتعتمد على نفسها وتتحالف مع بعضها لحماية نفسها ومقدراتها والتخلص من الوجود الأجنبي المفترس. ولقد ثبت بأن التحالفات الإقليمية هي الأنجح والأبقى. وأي تحالفات فئوية أو إقصائية في المنطقة هو عمل تخريبي لصالح الوجود الصهيو أمريكي. إيران بشكل أو أخر خاضت حرب دول المنطقة ودول الإسلام. إنها الخميرة التي يبنى عليها والمشرط الذي كسر شوكة أمريكا وهيأ لأفول زعامتها. ولعلها استوعبت من أسباب ومجريات العدوان عليها، حيوية ولزومية امتلاكها لسلاح الردع النووي حتى لو طال الزمن واتسعت الأولويات.
*كاتب اردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر