الجمعة , أبريل 17 2026
الرئيسية / اراء / دبلوماسية التقييس ودبلوماسية المعرفة في الاقتصاد الرقمي

دبلوماسية التقييس ودبلوماسية المعرفة في الاقتصاد الرقمي

 

*محمود إبراهيم النقيب
في ظل الاقتصاد الرقمي، لم يعد التقييس مجرد عملية فنية تدار داخل المختبرات أو أروقة الهيئات المختصة، بل غدا أداة استراتيجية تمارس أثراً مباشراً في تشكيل الأسواق، وتحديد شروط النفاذ التجاري، وصياغة موازين القوة في الاقتصاد الرقمي العالمي. وفي السياق، يغدو دمج دبلوماسية المعرفة في دبلوماسية التقييس مدخلاً هاماً لتحويل الخبرات الوطنية والقدرات البحثية إلى مواصفات ومعايير مؤثرة بما يعزز الحضور الدولي للدولة ويفتح المجال أمام منتجاتها وخدماتها في الأسواق العابرة للحدود. ولبيان أبعاد هذه العلاقة التكاملية سنحاول التطرق إلى أهمية هذا الدور من خلال الآتي:
أولاً: دبلوماسية المعرفة في دورة حياة التقييس
تمثل المعرفة المادة الأولية التي تبنى عليها المواصفات، ولذلك فإن دمجها في دورة حياة التقييس ينبغي أن يمر عبر ثلاث مراحب مترابطة.
تتمثل المرحلة الأولى في الاستشراف المعرفي، من خلال بناء قنوات منتظمة لتبادل نتائج البحث والبيانات الفنية بين الجامعات ومراكز الابتكار وهيئات التقييس، بهدف الكشف المبكر عن فجوات المعايير في التقنيات الناشئة، ولا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي والهوية الرقمية والمدفوعات والبيانات. وتنسجم هذه المقاربة مع ما يبرزه تقرير التنمية العالمي 2025 من أن المعايير أصبحت بنية تحية خفية للتنمية والاقتصاد الرقمي، وليست ملحق تنظيمي.
أما المرحلة الثانية فهي صناعة التأثير الفني، أي توظيف الحجة العلمية والبيانات المقارنة داخل اللجان الدولية للتقييس، بما يسمح للدول بالانتقال من واقع المتلقي أي موقع المساهم في صياغة المسودات والمعايير، وهنا تتجاوز الدبلوماسية معناها التقليدي لتصبح قدرة على بناء التحالفات الفنية داخل منظمات مثل ISOوIEC أو غيرها.
وتأتي المرحلة الثالثة في الاعتراف المتبادل، حيث تؤدي الدبلوماسية دوراً مهماً في دعم الثقة المتبادلة في أنظمة المطابقة والتقييم، بما يسهم في تقليل الحواجز الفنية أمام التجارة ويمنح المنتجات قبولاً في الأسواق الخارجية.
ثانياً: سد فجوة المعايير الرقمية: التقييس كأداة للسيادة والتعاون
في البيئة الرقمية المعاصرة، لم تعد المعايير مجرد وثاق استرشادية، بل أصبحت اطراً علمية تنظم التوافقية، والوصول إلى الأسواق، وحوكمة البيانات، والثقة التقنية. وكذلك فإنها تؤدي دوراً أساسياً واقتصادياً في آن واحد، لأنها تجسد اختيارات تتعلق بالمنافسة، وإدارة المخاطر، والهيمنة التقنية.
ومن أخطر ما يواجه الدول النامية والمتوسطة الدخل في هذا المجال ما يمكن وصفه بفجوة المشاركة المعيارية. فضعف الحضور في محافل التقييس الدولية يؤدي عملياً إلى تبني معايير صيغت في بيئات أخرى، بما يحصر الدول في موقع المستهلك للقاعدة التقنية لا شريك في إنتاجها.
ومن هنا يبرز التقييس بوصفه منصة ثقة قائمة على القواعد. فالمشاركة المؤثرة في أعمال ISOوIEC والمنصات المتصلة بهما لا تمنح الدول فقط قدرة على الدفاع عن مصالحها، بل تسمح أيضاً بمواءمة التقنيات الناشئة مع أولوياتها الوطنية، وتنمح الفاعلين الاقتصادين المحليين فرصة أفضل للاندماج في الأسواق العالمية.
ثالثاً: الحوكمة والدبلوماسية التقنية ودور المجتمع المدني
تكشف الحوكمة المعاصرة للمعايير عن سؤال جوهري يتعلق بمن يملك حق الحضور في فضاءات صنع القرار الفني. وفي هذا السياق تبرز الدبلوماسية التقنية بوصفها نمطا تفاوضيا لا يقتصر على الحكومات، بل يشمل أيضاً الخبراء والقطاع الخاص والمجتمع المدني والجامعات.
ومن ثم، فإن تجاوز ما يمكن وصفه بالعجز الديمقراطي في التقييس يستلزم تبني نهج الإنتاج المشترك للمعرفة. ويبدأ ذلك بتأطير المشكلات المجتمعية بلغه تقنية قابلة للتفاوض، ثم ببناء مجموعات عمل تفاعلية تجمع الأكاديميين والخبراء الفنين وجمعيات حماية المستهلكين والنقابات المهنية، وصولاً إلى ضمان قبول اجتماعي أوسع للمعايير المنتجة.
رابعاً: الملحقيات الاقتصادية بوصفها أذرعاً لدبلوماسية التقييس
لا يكتمل بناء دبلوماسية التقييس من دون إعادة تعريف وظيفة الملحقيات الاقتصادية والتجارية في السفارات والبعثات الخارجية. فالمطلوب اليوم ليس مجرد متابعة فرص التجارة والاستثمار، بل امتلاك قدرة مبكرة على قراءة التحولات في المواصفات واللوائح الفنية والأنظمة المرجعية في الدول المضيفة، ونقلها إلى الداخل الوطني بوصفها معلومات استراتيجية.
ومن هذا المنطلق، فإن تطوير الملحق الاقتصادي إلى فاعل معرفي فني قادر على فهم لغة المواصفات والمعايير سيمنح الدولة قدرة أعلى على توقع التغيرات المعيارية والتأثير فيها، كما يعزز نفاذ المنتجات الوطنية إلى سلاسل الامداد العالمية، وينسحب هذا الاهتمام على بقية المجالات.
خامساً: قراءة مختصرة في الرؤية الصينية
تستهدف الرؤية الاستراتيجية المستقبلية للصين في تفعيل دبلوماسية التقييس عبر بناء شراكات دولية قائمة على المنفعة المتبادلة وتوسيع نطاق التنسيق الفني لتبادل الخبرات والكوادر المتخصصة، مما يضمن تحقيق أعلى درجات الترابط المعلوماتي وتعزيز شفافية صياغة المعايير الوطنية لتتواءم مع متطلبات التدويل المعاصر؛ وهو ما يتجسد في رفع كفاءة الاتساق الفني بين المعايير الوطنية والدولية وصولاً إلى معدل تحويل يتجاوز 85%، سعياً لتعزيز الموثوقية في المنظومة القياسية الوطنية وضمان انسيابية التبادل التجاري في ظل اقتصاد المعرفة العالمي.
وختاماً، يمكن القول بأن دبلوماسية التقييس لم تعد خياراً فنياً تكميلياً، بل أصبحت ضرورة استراتيجية في بيئة تتزايد فيها التنافس على من يضع القاعدة لا من يلتزم بها فقط. ومن خلال دمج دبلوماسية المعرفة، وتوسيع المشاركة في التقييس الدولي، وتفعيل الدبلوماسية التقنية، وتطوير الأدوار الخارجية للمؤسسات الاقتصادية تستطيع الدول أن تنتقل من موقع المتلقي للمعايير إلى موقع المشارك في صناعتها، وهو انتقال ينعكس مباشرة على السيادة الاقتصادية، والقدرة التنافسية، ومكانة الدولة في الاقتصاد الرقمي.
*مختص في مجال الملكية الفكرية وحماية المستهلك
المراجع الاسترشادية:
1. World Trade Organization, Agreement on Technical Barriers to Trade (TBT Agreement), art. 2.4.
2. International Organization for Standardization (ISO), ISO Strategy 2030.
3. CEN-CENELEC, “Closing the Digital Standards Gap: Why Participation Matters for Development,” 28 January 2026.
4. World Bank, World Development Report 2025: Standards for Development, 2025.
5. 2nd European Science Diplomacy Conference: Bridging divides in a fragmented world, 17–18 December 2025.
6. Graz, Jean-Christophe & Hauert, Christophe, “Translating Technical Diplomacy: The Participation of Civil Society Organisations in International Standardisation,” Global Society, 2019, DOI: 10.1080/13600826.2019.1567476.
7. The Chinese Communist Party Central Committee and the State Council, National Standardization Development Outline, 2021

عن اليمن الحر

شاهد أيضاً

أمريكا تغرق… ولبنان على الطاولة عارياً!

  ميشيل شحادة* نحن أمام مشهد يتحرّك بسرعة تُربك حتى أكثر المراقبين خبرة. في كل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *