هاشم عبدالجليل جحاف*
في لحظة تاريخية فارقة، وبينما تشرئب الأعناق نحو غدٍ يكتنفه الغموض، أطلّ الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، ليقطع دابر الشك باليقين، ويرسم بكلمات من نور ونار معالم المرحلة المقبلة. لم تكن تصريحاته مجرد خطاب سياسي عابر، بل كانت مانيفيستو وجودي، أعاد صياغة موازين القوى ووضع العدو والصديق أمام مرآة الحقيقة التي لا تجامل.
بثبات الجبال ورسوخ العقيدة، أعلن الشيخ قاسم فشل المشروع الصهيوني في استئصال شأفة المقاومة. فمنذ بدء معركة أولي البأس، راهن العدو على كسر الإرادة وتفكيك البنية، لكنه اصطدم بجدار من الفولاذ الإنساني.
لقد تجلى الإبداع العسكري في معركة العصف المأكول، حيث فاجأ المجاهدون العالم ليس فقط بصمودهم، بل بتنوع أساليبهم القتالية وإدارتهم للميدان بـ سيطرة متقنة حوّلت أحلام الاحتلال إلى رماد. إنها رسالة واضحة: المقاومة ليست تشكيلاً يمكن محوه، بل هي فكرة والمنتمون إليها قدرٌ لا يُرد.
وبلهجة حازمة لا تقبل التأويل، وضع الشيخ قاسم خطاً أحمر عريضاً حول كرامة لبنان السياسية. إن الرفض القاطع للتفاوض المباشر مع العدو ليس مجرد موقف تكتيكي، بل هو استراتيجية كرامة.
وجه الشيخ خطابه بمرارة العاتب وقوة المقتدر إلى أصحاب السلطة، محذراً إياهم من أن الارتماء في أحضان الإملاءات لن يحمي لبنان ولن يحميهم، فما يطلبه العدو منهم هو سراب لا يملكون مفاتيحه. إن المفاوضات التي تجريها السلطة بعيداً عن نبض الميدان هي بالنسبة للمقاومة عدمٌ، ومخرجاتها لا تساوي الحبر الذي كُتبت به.
ولم يغفل الشيخ قاسم الجرح النازف في الجسد اللبناني، فدعا السلطة بوضوح إلى التراجع عن القرارات الجائرة، وتحديدا قرار 2 مارس الذي حاول تجريم المقاومة. هي دعوة للعودة إلى حضن الوحدة الوطنية، حيث يربح الجميع وتتحطم مؤامرات الخارج على صخرة التلاحم الداخلي.
لقد كشف الشيخ قاسم عن خفايا المشهد الدولي، مؤكداً أن وقف إطلاق النار لم يكن منحة من أحد، بل كان ثمرة مريرة قطفها العدو من الصمود الأسطوري للشعب والمقاومة، وبفعل حنكة الحليف الاستراتيجي في طهران ودور الجمهورية الإسلامية المحوري في محادثات باكستان. إنه تكامل الخندق والدبلوماسية الذي أجبر العالم على الانصياع لصوت الحق.
وختم الشيخ نعيم قاسم خطابه بعهدٍ غليظ؛ عهدٌ لا يرضى بأقل من التحرير الكامل لكل شبر من التراب الجنوبي حتى حدود فلسطين المحتلة. نحن اليوم أمام ثنائية كونية: إما التحرير والعزة، أو الاحتلال والذلة. وبصوتٍ ترددت أصداؤه في أزقة القدس ووديان الجنوب، أطلقها مدوية: هيهات منا الذلة. هي كلماتٌ لم تخرج من حنجرة رجل، بل خرجت من وجدان أمة قررت أن تعيش عزيزة أو تموت شهيدة، ليبقى العلم خفاقاً فوق كل تلة وصخرة، وليعلم العدو أن الأرض، مهما طال ليلها، لا تتحدث إلا لغة أصحابها.
*نقلا عن الثورة
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر