د. هاني الروسان*
منذ اللحظات الأولى لتصاعد ازمة العلاقات الأمريكية -الإيرانية مطلع عام 2026، بدا أن خطاب الرئيس ترامب يتحرك داخل مفارقة لغوية تكاد تختصر المأزق الكامل للأزمة، اذ كلما اقترب الحديث عن إمكان التفاوض، ارتفع مستوى التهديد، وكلما ظهرت إشارات إلى “صفقة محتملة”، تبعتها مباشرة عبارات من قبيل “التدمير الكامل” او “المحو من الوجود” او “ابادة الحضارة الايرنية” أو “الرد الذي لم يشهده العالم من قبل” أو “منع إيران بالقوة من امتلاك السلاح النووي”، وهذا التزامن المتكرر بين عرض التفاوض والتهديد بالإلغاء لا يمكن فهمه بوصفه مجرد أسلوب تفاوضي خشن أو نزعة استعراضية ترامبية، لانه في الحقيقة يكشف عن بنية خطابية كاملة تقوم على فرضية أن التهديد المطلق هو الشرط الضروري لإنتاج التفاوض.
لكن المشكلة التي يكشفها مسار الحرب نفسها هي أن هذا الخطاب لا يُنتج الأثر الذي يفترضه صاحبه، فالتداولية السياسية تُظهر أن التهديد لا ينجح فقط لأنه يصدر عن قوة عظمى، بل لأنه يفترض وجود متلقٍّ ما يزال يرى في التفاوض مخرجًا ممكنًا. وهنا بالتحديد يبدأ الانقلاب الداخلي في الخطاب الأمريكي، لأن الانتقال من الضغط إلى التهديد الوجودي لا يدفع الخصم نحو الطاولة بقدر ما يدفعه نحو إعادة تعريف الصراع باعتباره صراع بقاء لا نزاع مصالح. فحين يتحدث ترامب عن “محو إيران” ثم يعود للحديث عن “فرصة أخيرة للصفقة”، فإن الملفوظ نفسه ينقسم تداوليًا بين فعلين متناقضين، فهو من ناحية دعوة ضمنية للتفاوض، ولكنه من الناحية الثانية إلغاء ضمني لشروطه في الوقت نفسه.
وعلى هذا المستوى، لا تبدو المشكلة متعلقة فقط بما تقوله واشنطن، بل بكيفية تلقّي طهران لهذا الخطاب، فالنظام الإيراني، الذي تشكلت شرعيته منذ الثورة على قاعدة مقاومة الهيمنة الأمريكية، لا يستطيع قراءة التهديد الوجودي بوصفه مجرد أداة ضغط تفاوضي، بل في ان قبول التفاوض في ظله يعني داخليًا فقدان “الوجه السيادي” للنظام، لذا فان الرد الإيراني يتحول من رد سياسي إلى ضرورة تداولية لإعادة ترميم صورة الدولة أمام شعبها، وهنا لا تعود عبارات مثل “الصمود انتصار” مجرد شعارات دعائية، بل تصبح إعادة تعريف كاملة لمعنى الانتصار نفسه، بحيث يتحول مجرد البقاء وعدم الانهيار إلى نفي رمزي لهدف الخصم.
ومن هنا يمكن فهم لماذا يفشل الخطاب الأمريكي في إنتاج الحسم رغم الفارق الهائل في القوة العسكرية. فواشنطن تتحدث بمنطق يفترض أن الخوف يُنتج الامتثال، بينما تعمل طهران بمنطق مختلف يرى أن التهديد الخارجي يُنتج شرعية المقاومة، أي أن الطرفين لا يتحركان داخل الاقتصاد التداولي نفسه، ولهذا فإن ما يبدو في واشنطن “تصعيدًا تفاوضيًا” يُقرأ في طهران باعتباره دليلًا على استحالة التفاوض أصلًا.
ويتعمق هذا التناقض حين ننتقل من اللغة إلى الزمن السياسي الذي يحكم الخطابين، حيث خطاب ترامب يعمل بمنطق “الصفقة السريعة”، اي تهديد مرتفع السقف يليه تنازل سريع يسمح بالانتقال إلى الملف التالي، وهو منطق رجل الأعمال الذي يفترض أن الضغط الزمني جزء من إنتاج الاتفاق، بينما الخطاب الإيراني يتحرك داخل زمن مختلف تمامًا، حيث يتحول الصبر ذاته إلى أداة قوة. فالعقوبات الطويلة، والحصار الممتد، وحتى الضربات المحدودة، لا تُقرأ فقط كتكلفة يجب إنهاؤها، بل كدليل إضافي على صحة سردية “الاستهداف الخارجي”، الأمر الذي يسمح للنظام بإعادة إنتاج شرعيته من خلال الاستمرار ذاته، وهنا يفشل الفعل الكلامي الأمريكي في تحقيق أثره الإنجازي، لأن الزمن الذي يُفترض أن يُضعف الخصم يتحول إلى عنصر يعمل لصالحه، ولهذا أيضًا لا يمكن فهم السلوك الإيراني في مضيق هرمز أو في الملف النووي بمعزل عن هذا البعد التداولي، فتهديد الملاحة الدولية ليس مجرد ورقة جيوسياسية، بل رسالة مضادة تقول إن الضغط الأمريكي لن يبقى داخل حدود إيران وحدها. أما البرنامج النووي، فلا يعود مجرد مشروع تقني أو ورقة تفاوضية، بل يتحول تدريجيًا إلى استجابة منطقية لخطاب الإلغاء نفسه. فالتهديد بـ”المحو” لا يدفع الدولة المستهدفة إلى التخلي عن أدوات الردع، بل إلى البحث عن الضمانات القصوى ضد هذا المحو. وهنا يظهر الانقلاب الأخطر في المنطق الأمريكي، فالخطاب الذي يريد منع إيران من الاقتراب من السلاح النووي قد يتحول هو نفسه إلى أحد العوامل التي تجعل امتلاك هذا السلاح يبدو ضرورة وجودية في العقل الاستراتيجي الإيراني.
لكن المفارقة لا تتوقف عند حدود إيران، بل تمتد إلى الخطاب الترامبي ذاته، فالرئيس ترامب الذي يستخدم التهديد بوصفه أداة تفاوض يجد نفسه تدريجيًا محاصرًا داخل ملفوظاته الخاصة، ذلك أن التهديدات المتكررة ترفع سقف التوقعات لدى الداخل الأمريكي والحلفاء الإقليميين، بحيث يصبح أي تراجع لاحق قابلًا للتأويل بوصفه ضعفًا أو هزيمة رمزية. وهنا يتحول الخطاب من أداة ضغط إلى قيد على صاحبه، لأن كل تهديد غير منفذ يُضعف صدقية التهديد التالي، ويدفع المتكلم نحو تصعيد إضافي للحفاظ على صورته بوصفه رجلًا “لا يتراجع”.
وعند هذه النقطة تحديدًا يظهر البعد الإسرائيلي في الأزمة، حيث تنظر إسرائيل إلى التصعيد مع إيران بوصفه ضرورة استراتيجية طويلة المدى تمنع تشكل توازن ردع إقليمي جديد، بينما يبدو ترامب أقرب إلى استخدام التصعيد كوسيلة لفرض صفقة سريعة تعيد إنتاج صورة الانتصار الأمريكي دون الانخراط في حرب استنزاف طويلة، ولكن الخطابين، رغم اختلاف الغاية بينهما، يلتقيان عند رفع سقف التهديد إلى درجة تجعل التراجع صعبًا. وهكذا يتحول التصعيد نفسه إلى بنية مستقلة تدفع الجميع نحو مزيد من التصعيد، حتى لو كانت الأهداف النهائية مختلفة.
لذلك فإن الأزمة الحالية لا تبدو مجرد مواجهة بين قوتين متنافستين، بل صدامًا بين نظامين مختلفين لإنتاج المعنى السياسي. الأول يفترض أن القوة القصوى تُنتج الخضوع، والثاني يفترض أن مجرد رفض الخضوع هو شكل من أشكال الانتصار، وبين هذين المنطقين، تتحول اللغة نفسها إلى جزء من الحرب، لا مجرد وصف لها. فكل تهديد أمريكي يمنح الخطاب الإيراني مادة إضافية لإعادة إنتاج نفسه، وكل استمرار إيراني في الصمود يُحوّل “الانتصار السريع” الذي يَعِد به ترامب إلى استنزاف مفتوح.
وهكذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الحرب ستنتهي بتفاوض أو بمواجهة أوسع، بل ما إذا كان أي من الطرفين ما يزال يمتلك أصلًا خطابًا يسمح له بالتراجع دون خسارة صورته السياسية. وحتى الآن، يبدو أن الأزمة تتحرك داخل مأزق تداولي مغلق: رئيس أمريكي يريد فرض الصفقة عبر التهديد، لكنه يرفع التهديد إلى مستوى يجعل الصفقة مستحيلة، ونظام إيراني يرى في مجرد استمرار قدرته على الرفض دليلًا كافيًا على الانتصار.
*كاتب واكاديمي تونسي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر