عماد داود*
وأنا طفل أجلس أمام تلفزيون أبيض وأسود بالكاد يلتقط ملامح الوجوه، كان غوار الطوشة يروي حكاية “قلب الأم” في صح النوم.
لم تكن لقطة للتسلية.
كانت إنذارا أخلاقيا مبكرا يقول إن بعض الطعنات لا يغلقها الزمن… حتى لو ابتسم القلب وهو ينزف.
“لا تطعن فؤادي مرتين…!”
جملة قديمة ظلت تتحرك في الخلفية كأنها كُتبت لغزة قبل أن تولد الكارثة نفسها.
ثم كبرنا…
واكتشفنا أن غزة لا تُطعن مرتين فقط.
غزة يُعاد تنظيم طعنها.
يُعاد توزيع نزيفها على الشاشات، وعلى البيانات، وعلى خرائط النفوذ، حتى لا يموت العالم من الصدمة دفعة واحدة…!
غزة اليوم ليست مجرد مدينة محاصرة.
غزة تحولت إلى أخطر شيء يمكن أن تصل إليه أي قضية عادلة:
ملف قابل للإدارة الدولية.
وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية.
بعد السابع من أكتوبر، لم يسقط الشرق الأوسط في الحرب الكبرى التي وعدت بها خطابات “وحدة الساحات”.
الذي سقط فعلا كان الوهم القديم:
وهم أن الدم وحده يكفي لتوحيد الجميع.
فجأة، ظهرت الحدود الحقيقية لكل شيء.
حدود الصاروخ.
حدود الغضب.
حدود الحلفاء.
وحدود الدم المسموح باستثماره…!
كل طرف دخل المعركة وهو يحمل آلة حاسبة خلف ظهره.
كل خطوة محسوبة.
كل تهديد مضبوط الإيقاع.
كل رد مصمم كي لا يكسر السقف النهائي للعبة.
وغزة وحدها بقيت خارج الحسابات الآمنة…!
هنا يظهر القانون العاري للمنطقة:
لا أحد يذهب إلى الحرب مجانا.
حتى الحلفاء يُعاد تعريفهم حسب الوظيفة.
طرف يُستخدم كخط اشتباك.
طرف كورقة ضغط.
طرف كمنطقة امتصاص للخسائر.
أما غزة… فكانت الشيء الأكثر قابلية للاستهلاك.
الدم الأرخص يُستهلك أولا.
ثم وقع التحول الأخطر…!
حين دخلت إيران مباشرة إلى مشهد الاشتباك، تحرك مركز الضوء العالمي بعيدا عن الركام الفلسطيني بسرعة مرعبة.
اختفت صورة الطفل الجائع من العنوان الأول.
وصعد مكانها سؤال آخر:
من قصف من…؟
وأين سقط الصاروخ…؟
ومن يملك حق الرد الأخير…؟
انتقل العالم من المجاعة إلى هندسة الردع.
ومن الجثث إلى خرائط التوازن الإقليمي.
ومن غزة… إلى إدارة الخوف من الحرب الكبرى.
وهنا تحديدا بدأت الطعنة الثانية.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مأساة… أن تفقد احتكارها للصدمة.
الإعلام هنا لا ينقل الجريمة فقط.
الإعلام يعيد برمجة قدرة البشر على احتمالها.
المجازر تصبح “تطورا ميدانيا”.
المجاعة تصبح “أزمة إنسانية”.
الأشلاء تتحول إلى أرقام متحركة أسفل الشاشة.
ومع كل يوم إضافي، يفقد الدم قيمته الرمزية أكثر.
لا لأن الدم أقل فظاعة.
بل لأن العالم تكيف معه كما يتكيف الجسد مع الألم المزمن.
وفي الخلف، كانت إسرائيل تفعل الشيء الأذكى والأبرد:
ترك الزمن يعمل.
الوقت وحده قادر على فعل ما تعجز عنه الجيوش أحيانا.
غزة تُستنزف.
الضفة تُقضم.
القدس يُعاد تشكيلها بهدوء هندسي لا يحتاج ضجيجا.
أما المقاومة… فتنتقل تدريجيا من مشروع انتصار مفتوح إلى مشروع منع الانطفاء الكامل.
لم يعد السؤال:
كيف ننتصر…؟
صار السؤال:
كيف نبقى أحياء بما يكفي كي لا يعلنوا النهاية…؟
وحين تصل أمة إلى هذه المرحلة، يتغير معنى كل شيء.
تنكمش اللغة.
يبهت الشعار.
ويصبح البقاء نفسه شكلا من أشكال المقاومة…!
ثم جاءت اللحظة التي عرّت المشهد كله دفعة واحدة:
اغتيال إسماعيل هنية داخل إيران.
هنا لم تكن الصدمة في الاغتيال وحده.
الصدمة في الجغرافيا.
الضيف يُقتل داخل بيت المضيف…!
في الوعي الشرقي القديم، هذه ليست حادثة أمنية فقط.
هذا كسر رمزي لفكرة “الذمة” نفسها.
ومع ذلك… امتص العالم المشهد بسرعة باردة.
لا انفجار كبير.
لا تغيير جذري في قواعد اللعبة.
لا زلزال يوازي حجم الإهانة الرمزية.
فقط المزيد من اللغة المحسوبة.
“رد مناسب.”
“توقيت مناسب.”
“إدارة التصعيد.”
وكأن الدم أصبح بندا فنيا داخل اجتماع مغلق لإدارة المخاطر…!
وهنا تظهر الحقيقة التي لا يريد كثيرون قولها بصوت مرتفع:
غزة لم تُخذل فقط بالسلاح.
غزة أُنهكت أيضا بفائض البلاغة.
بعض الخطابات لم تكن جسورا إلى المعركة…
كانت بديلا عنها.
وفي النهاية، تبقى الجملة الخارجة من شاشة أبيض وأسود أصدق من كل بيانات المنطقة:
“لا تطعنوا قلب غزة مرتين…!”
لأن الطعنة الثانية لا تأتي دائما من العدو.
أحيانا تأتي من الذين أقنعوا القلب أنه ليس وحيدا…
ثم تركوه ينزف ببطء… حتى تعود الكاميرات إلى خبر آخر!
*كاتب اردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر