د. مهدي مبارك عبد الله*
على ار الواقع لم يعد ما يجري في جنوب لبنان مجرد جولة عسكرية جديدة ضمن سلسلة المواجهات التقليدية بين إسرائيل وحزب الله بل بات أقرب إلى محاولة منظمة لإعادة رسم المشهد الأمني والسياسي في لبنان بأكمله خاصة وان التقدم الإسرائيلي الاخير إلى ما وراء الخطوط التي كانت تشكل حدود الحركة الميدانية خلال الأشهر الماضية والسيطرة على مواقع استراتيجية ذات رمزية عسكرية وتاريخية مثل قلعة الشقيف والتلويح بتوسيع العمليات نحو مناطق جديدة ورفع مستوى التهديدات ضد الضاحية الجنوبية لبيروت كلها مؤشرات واضحة تدل على أن تل أبيب انتقلت من سياسة الاحتواء المحدود إلى صناعة الوقائع الميدانية بالقوة وفرض معادلات جديدة على الأرض قبل أي تسوية سياسية محتملة بين واشنطن وطهران.
السيطرة الاسرائيلية على قلعة الشقيف لا يمكن النظر إليها باعتبارها مكسب تكتيكي محدود سيما وان القلعة التي ارتبط اسمها بتاريخ طويل من الصراع في جنوب لبنان تمثل نقطة إشراف استراتيجية على مساحات واسعة من المنطقة الجنوبية كما أنها تحمل قيمة رمزية كبيرة في الوعي العسكري والسياسي للطرفين ولهذا فإن رفع العلم الإسرائيلي فوق هذا الموقع لا يهدف فقط إلى تحسين الوضع العملياتي للقوات المنتشرة في الميدان بل يحمل ايضا رسالة سياسية ونفسية مفادها أن إسرائيل تريد إظهار قدرتها على العودة إلى مواقع كانت قد اضطرت إلى الانسحاب منها سابقاً في عام 2000 زمن حكومة ايهود اولمرت كما تسعى تل ابيب إلى تثبيت صورة جديدة عن ميزان القوى في الجنوب اللبناني.
الهدف الإسرائيلي المعلن يتمثل في إبعاد خطر الصواريخ والطائرات المسيّرة عن مستوطنات الشمال وضمان عدم تعرضها لهجمات مستقبلية غير أن هذا التبرير يواجه إشكالية واضحة تتمثل في أن حزب الله لا يتمركز داخل الشريط الحدودي فقط بل يمتد حضوره العسكري والتنظيمي إلى مناطق واسعة من لبنان تشمل البقاع والضاحية الجنوبية ومناطق أخرى بعيدة عن خط المواجهة المباشر ولذلك فإن السيطرة على مزيد من الأراضي في الجنوب لا تعني تلقائياً إنهاء التهديد الصاروخي أو إسقاط القدرة العسكرية للحزب وهو ما يجعل الأهداف المعلنة أقل إقناعاً من الأهداف الفعلية الكامنة وراء هذا التوسع.
من هنا تبرز فرضية أكثر واقعية مفادها أن إسرائيل تسعى إلى فرض منطقة عازلة جديدة بحكم الأمر الواقع تكون أوسع من كل الترتيبات الأمنية السابقة وتمنحها هامشاً أكبر من السيطرة النارية والمراقبة الميدانية كما أن التدمير الواسع للقرى والبلدات الحدودية لا يبدو مجرد نتيجة جانبية للعمليات العسكرية بل جزءاً من استراتيجية تهدف إلى إحداث تغيير طويل الأمد في البيئة السكانية والجغرافية للمنطقة الحدودية بما يجعل عودة السكان أكثر صعوبة ويخلق فراغاً بشرياً يخدم الأهداف الأمنية الإسرائيلية ويعيد رسم الخريطة الديموغرافية للجنوب بصورة غير مسبوقة منذ عقود.
في هذا السياق لا يمكن تجاهل التقارير المتزايدة التي تتحدث عن عمليات هدم واسعة للمنازل والبنى المدنية في القرى الجنوبية بصورة منهجية حيث تشير المعطيات إلى أن جزءاً مهماً من النشاط العسكري الإسرائيلي لم يعد يقتصر على استهداف مواقع عسكرية أو بنى قتالية بل أصبح موجهاً نحو تغيير الواقع العمراني نفسه في المناطق الحدودية الأمر الذي يثير تساؤلات واسعة حول طبيعة المشروع الذي يجري العمل عليه وحول ما إذا كانت إسرائيل تفكر فعلاً في إقامة حزام أمني طويل الأمد يتجاوز مجرد الأهداف العسكرية المباشرة.
على الجانب الاخر يبدو أن إسرائيل تراهن أيضاً على عامل الضغط النفسي والاجتماعي داخل لبنان فكلما اتسعت رقعة الدمار والنزوح ازدادت الضغوط على الدولة اللبنانية وارتفعت الأصوات المطالبة بإيجاد حلول جذرية للأزمة الأمنية القائمة ومن هذه الزاوية قد يكون التصعيد العسكري محاولة لدفع الحكومة اللبنانية نحو مواجهة معضلة نزع سلاح حزب الله أو على الأقل تحميلها مسؤولية أكبر في ضبط الوضع الأمني في جنوب البلاد وإجبارها على تقديم تنازلات سياسية وأمنية لم تكن مطروحة سابقا.
السؤال الأهم في اعماق الرؤية يبقى متعلقاً بمدى إمكانية تحقيق هذا الهدف خاصة وان الخبرة التاريخية الممتدة منذ اجتياح عام 1982 وحتى الانسحاب تشير إلى أن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة القدرة على إنهاء التنظيمات المسلحة أو انتزاع سلاحها خصوصا وان السلاح في العرف العسكري ليس مجرد مخازن ومنصات إطلاق بل هو جزء من بنية سياسية واجتماعية وعقائدية أوسع ولهذا فإن أي محاولة لفرض نزع سلاح حزب الله بالقوة العسكرية المفرطة قد تؤدي إلى نتائج معاكسة تفتح الباب أمام دورة جديدة من الصراع والاستنزاف بدلاً من إنهائها.
التصعيد الإسرائيلي الكثيف والمواصل على جنوب لبنان لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع وتحديداً المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران وواشنطن تدرك جيدا أن حزب الله يمثل إحدى أهم أوراق النفوذ الإيرانية في المنطقة وأن زيادة الضغط العسكري عليه يمكن أن تتحول إلى رسالة غير مباشرة موجهة إلى طهران ومضمون هذه الرسالة أن البديل عن التسويات السياسية قد يكون المزيد من الضغوط على الحلفاء الإقليميين لإيران ولذلك يرى كثير من المراقبين أن الجبهة اللبنانية تحولت إلى إحدى ساحات التأثير المتبادل بين طاولة المفاوضات والعمليات العسكرية ولهذا تصر ايران على انهاء المعارك في جنوب لبنان قبل توقيغ أي اتفاق.
عمليا التحركات الإسرائيلية تبدو وكأنها محاولة لفرض حقائق جديدة على الأرض قبل الوصول إلى أي تفاهم أميركي إيراني محتمل قد يتضمن ترتيبات خاصة بالساحة اللبنانية وتل أبيب تدرك أن أي اتفاق إقليمي قد يقيّد هامش حركتها مستقبلاً ولذلك تسعى إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الميدانية قبل أن تتوقف العمليات العسكرية أو تخضع لشروط سياسية جديدة.
أما التهديدات الاسرائيلية المتزايدة باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت فإنها تحمل أبعاداً تتجاوز الحسابات العسكرية البحتة خصوصا ان الضاحية ليست مجرد منطقة جغرافية بل تمثل مركز الثقل السياسي والشعبي لحزب الله وبالتالي فإن التلويح بقصفها على نطاق واسع يهدف إلى رفع مستوى الضغط السياسي والنفسي وإظهار أن سقف التصعيد الإسرائيلي لا يزال مفتوحاً لكن تنفيذ مثل هذا التهديد قد يحمل مخاطر كبيرة تتمثل في توسيع دائرة الحرب وإدخال لبنان والمنطقة في مرحلة أكثر خطورة وتعقيداً وربما دفع الأطراف الإقليمية الاخرى إلى الانخراط بصورة أكبر في الصراع.
امتداد العمليات العسكرية إلى مناطق أبعد من الجنوب ووصول الاستهدافات إلى البقاع الغربي ومحيط المنشآت الحيوية يعكس انتقال إسرائيل إلى مفهوم جديد في إدارة الحرب يقوم على الضغط متعدد المستويات بحيث لا يقتصر التأثير على البعد العسكري فقط بل يمتد إلى الاقتصاد والبنية التحتية والاستقرار الاجتماعي بما يزيد من كلفة المواجهة على الدولة والمجتمع اللبناني معاً
داخل الكيان الإسرائيلي أيضاً توجد حسابات لا تقل أهمية عن الاعتبارات العسكرية وحكومة بنيامين نتنياهو تواجه ضغوطاً سياسية متزايدة وانتقادات مرتبطة بمآلات المواجهة مع إيران وبالنتائج غير الحاسمة للحروب المتعددة التي خاضتها خلال السنوات الأخيرة ولذلك قد يشكل التوسع في لبنان فرصة لتقديم صورة انتصار أو إنجاز ميداني يمكن توظيفه في السجال الداخلي الإسرائيلي وخصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات السياسية والانتخابية المقبلة.
الحكومة اللبنانية في المقابل تبدو أمام معادلة شديدة التعقيد فمن جهة لا تستطيع القبول باستمرار التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية بوصفها أمراً واقعاً ومن جهة أخرى تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد يحمل أثماناً كارثية على الدولة والاقتصاد والمجتمع ولهذا فإن خيار التفاوض يبقى بالنسبة إليها ضرورة سياسية أكثر منه خياراً مثالياً لكن نجاح أي مسار تفاوضي يظل مرهوناً بوجود إرادة دولية حقيقية لوقف العمليات العسكرية وليس الاكتفاء بإدارة الأزمة وتأجيل انفجارها.
يبقى السؤال المركزي الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح وقوة هو هل الحرب المستمرة تصب فعلاً في مصلحة إسرائيل على المدى البعيد أم أنها تتحول تدريجياً إلى حرب استنزاف مفتوحة بعدما أثبتت التجارب السابقة أن القوة العسكرية ربما تكون قادرة على احتلال الأرض لكنها عاجزة بالفعل عن فرض الاستقرار الدائم أو إنتاج حلول سياسية مستدامة وكلما طال أمد الحرب ازدادت احتمالات تحولها إلى عبء استراتيجي على جميع الأطراف.
بقراءة دقيقة نجد ان المشهد الحالي يوحي بأن المنطقة تقف أمام مفترق طرق بالغ الخطورة فإما أن تنجح الجهود الدبلوماسية في فرض وقف شامل لإطلاق النار يفتح الباب أمام معالجة سياسية للأزمات المتراكمة وإما أن يستمر منطق القوة والتوسع الميداني بما يقود إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود جنوب لبنان لتطال الإقليم بأسره وعندها لن تكون قلعة الشقيف مجرد موقع عسكري جرى احتلاله أو استعادته بل ستصبح رمزاً لبداية مرحلة ثورية وجديدة من الصراع تختلف في طبيعتها وأهدافها عن كل ما عرفته المنطقة خلال العقود الماضي.
ما يجري في جنوب لبنان لم يعد مجرد حرب على الحدود بل صراع على شكل الشرق الأوسط القادم وقلعة الشقيف ليست سوى عنوان رمزي لمعركة أكبر بكثير تدور حول النفوذ والحدود وموازين القوة ومستقبل محور كامل من التحالفات الإقليمية وبينما تتقدم الجرافات والدبابات وتتعالى أصوات الطائرات تبدو الدبلوماسية عاجزة عن اللحاق بإيقاع الميدان.
ختاما : الحقيقة المؤكدة للعالم إن الجنوب اللبناني بات يقف اليوم عند نقطة تحول تاريخية فإما أن يكون بوابة لتسوية كبرى تفرضها موازين القوى الجديدة وإما أن يتحول إلى شرارة تفجير لمرحلة أكثر اضطراباً تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الحدود اللبنانية بكثير وحينها لن تكون الحرب الحالية مجرد محطة عابرة في سجل الصراعات العربية الإسرائيلية بل ستكون بداية لفصل جديد لم تُكتب نهايته بعد.
*كاتب وباحث اردني مختص في الشؤون السياسية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر