الإثنين , يونيو 22 2026
الرئيسية / اراء / بين سقطات النخبة التونسية والواقعية الاستراتيجية للقدرات الإيرانية!

بين سقطات النخبة التونسية والواقعية الاستراتيجية للقدرات الإيرانية!

امل سبتي*
يحلل هذا المقال، بخلفية أكاديمية في العلوم السياسية، التقييمات الجيوسياسية القاصرة للنخبة السياسية التونسية بعد انتفاضة 2010 تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وأجادل هنا بأن المراهنة على انكسار إيران كانت وهمًا استراتيجيًا، حيث أثبتت طهران صلابة استثنائية وقدرة على الردع العسكري والدبلوماسي في مواجهة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني. وتسلط المقالة الضوء على سقطات السياسة التونسية، مستشهدة بلقاء الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي مع مريم رجوي، لتخلص إلى ضرورة تبني واقعية سياسية تعترف بإيران كرقّم صعب في موازين القوى الإقليمية.
كلمات مفتاحية: العلوم السياسية، تونس، إيران، المنصف المرزوقي، الردع العسكري، الدبلوماسية الإيرانية، الواقعية السياسية، مريم رجوي.
مقدمة: في تهافت الحسابات وسوء التقدير الاستراتيجي
لطالما مثّلت تحولات “الربيع العربي” مختبرًا كاشفًا لمدى النضج الجيوسياسي للنخب السياسية الصاعدة. وفي تونس، بدا واضحًا أن العاطفة الأيديولوجية قد حجبت الرؤية الاستراتيجية الثاقبة عن صناع القرار الجدد. إن القراءة الأكاديمية المتأنية لمسارات القوى الإقليمية تؤكد أن الخطأ القاتل الذي وقعت فيه النخبة التونسية بعد عام 2011 يكمن في مراهنتها المتسرعة على “انكسار وثيق” للجمهورية الإسلامية الإيرانية، مدفوعة بوعود واهية من محاور دولية ظنوا أن رهانها عليهم متين ودائم، متغافلين عن عناصر القوة الحقيقية التي تمتلكها طهران.
المعضلة التونسية: الرهان الخاطئ على انكسار “الرقم الصعب”

لقد ركزت جلّ الطبقة السياسية في تونس، بإسلامييها وعلمانييها، على التموقع في معسكر معادٍ لطهران، ليس رغبةً في الصدام المباشر، بل طمعًا في نيل مكانة وريادة من القوى الدولية التي تقود جبهة المقاطعة ضد إيران. لقد كان هذا التفكير تجسيدًا صريحًا للقصور الاستشرافي.
في لقاءاتنا مع قيادات من التيار الإسلامي التونسي، كنا نؤكد لهم من منظور علم السياسة أن إيران لن تُكسر كما يتوهمون، وأن الزج بالخطاب التونسي الناشئ في حلف يصطدم بطهران هو مقامرة غير مأمونة العواقب. فالجمهورية الإسلامية ليست نظامًا عابرًا، بل كيان حضاري يمتلك قراءة استباقية دقيقة للأحداث. وبينما اعتبر الإسلاميون أن إيران عطلت مسار ثوراتهم، أثبتت الوقائع أن طهران فهمت مبكرًا الأبعاد الخفية والقصد الحقيقي من وراء تفكيك الدولة الوطنية في المنطقة، فحافظت على تماسكها الاستراتيجي ولم تنجر إلى الفوضى.
من الرومانسية الثورية إلى سقطات الواقعية: نموذج المرزوقي
لم يقتصر هذا العمى الجيوسياسي على التيار الإسلامي، بل امتد إلى الرموز التي محسوبة على الديمقراطية، وتحديدًا الدكتور المنصف المرزوقي، أول رئيس للجمهورية التونسية في فترة الربيع العربي بعد انتفاضة الشعب التونسي المباركة عام 2010. من المثير للاستغراب الأكاديمي أن يكتب رئيس دولة أسبق مقالاً في مجلة تركية بعد عام 2014 يكيل فيه الاتهامات لإيران، واصفًا نظامها بأوصاف “قروسطية” وديكتاتورية، متجاهلاً أن الصراع الذي تديره إيران بكفاءة يتجاوز الجغرافيا التونسية بل والعربية بأكملها بتضاريسها السياسية المعقدة.
وفي سياق هذا التخبط المستمر، جاء تاريخ 10 نوفمبر 2025 ليشهد فصلاً جديدًا من سوء التقدير؛ حيث التقى الدكتور المنصف المرزوقي بمريم رجوي، زعيمة المعارضة الإيرانية في مقر إقامتها بألبانيا، وأجرى معها مباحثات سياسية. من زاوية بروتوكولية وسيادية، كان حريًا برئيس دولة سابق مَثّل ثورة شعبية أن تُطرق بابه لا أن يتجشم الأتعاب ويسافر لطرق أبواب معارضة هامشية، واهمًا أن سقوط نظام طهران بات وشيكًا وأنه سيجني ثمار هذا السقوط في معاركه المحلية ضد نظام قيس سعيد. إن هذه المواقف لم تكن مبنية على مبادئ، بل على انتهازية سياسية ساذجة تفترض أن الحكمة تقتضي الاصطفاف مع “الكاسرين” التخيليين لا مع طهران التي يصفونها بالمكسورة.
الردع العسكري والدبلوماسي: كيف فرضت إيران معادلتها؟
بينما كانت النخب التونسية غارقة في أوهامها، كانت إيران ترسم معادلات جديدة في الشرق الأوسط عبر تلازم مساري الردع العسكري والدبلوماسية الهجومية الذكية. إن القراءة الواقعية للمشهد الدولي تكشف زيف ادعاءات الضعف الإيراني؛ فالقدرات العسكرية المتطورة التي حاربت بها إيران في الآونة الأخيرة ضد غطرسة الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني أثبتت تفوقًا تكنولوجيًا وهندسيًا غير مسبوق.
من خلال ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية الفرط صوتية والدقيقة، وسلاح الطائرات المسيرة (الدرونز) بعيدة المدى التي أعادت صياغة مفهوم الحروب الحديثة، تمكنت إيران من شلّ المنظومات الدفاعية للكيان الصهيوني واختراق عمقه الاستراتيجي، فضلًا عن فرض قواعد اشتباك صارمة حدّت من القدرة الأمريكية على التحرك بحرية في مياه الخليج والمنطقة. لم يكن هذا الردع عسكريًا بحتًا، بل واكبته دبلوماسية إيرانية رفيعة وحصيفة، استطاعت كسر طوق العزلة الدولية، وتصفير المشاكل الإقليمية، وإدارة التفاوض مع القوى الكبرى من موقع قوة لا من موقع استجداء، مما جعل القوة العسكرية سندًا للمفاوض الدبلوماسي.
تداعيات الارتهان الخارجي على الهشاشة التونسية
إن ما جعل المسار الديمقراطي التونسي يتعثر وينتكس هو هذا الموقف الخارجي غير المحسوب. لقد سمح السياسيون التونسيون بدخول أطراف إقليمية معادية لإيران على خط القرار التونسي الهش أصلاً حينها، مما أفقد البلاد سيادتها الدبلوماسية. وعندما سقط الرهان الإقليمي والدولي على أولئك الذين تقدموا للسلطة معتقدين أن رهان أعداء إيران عليهم متين، تخلت عنهم القوى الكبرى، وبقيت إيران قوية وثابتة تفرض شروطها.
ولم يتغير هذا المشهد كثيرًا؛ فحتى مع صعود الرئيس قيس سعيد، سارعت النخب المأزومة إلى ربطه بإيران في محاولة لشيطنته، متناسين أنهم بذلك يمنحونه –من حيث لا يعلمون– اعترافًا ضمنيًا بالصلابة والتموقع في المعسكر الصحيح، حتى وإن كانت العلاقات الفعلية بين قرطاج وطهران لا ترقى إلى مستوى التحالف الاستراتيجي المعول عليه.
خاتمة ونتيجة: انتصار الواقعية وثبات الدولة
في المحصلة، يثبت التحليل العلمي المبني على قواعد العلوم السياسية أن إيران تمثل نموذجًا للدولة العميقة القادرة على إدارة الأزمات والتحولات الدولية بذكاء وصبر استراتيجي يفتقده الكثير من العرب. لم يكن مطلوبًا من تونس رفع شعارات طهران أو التخندق معها، بل كان المطلوب هو “العقلانية السياسية” والوقوف على مسافة واحدة، دون الاصطفاف في محاور خاسرة.
النتيجة المستخلصة: إن التحرر من العصبية الأيديولوجية الضيقة يتيح رؤية الأمور بعين الحق لا بعين القوة التوهمية. لقد انكسرت الرهانات التونسية الواهمة وبقيت إيران قاسمًا مشتركًا وصعبًا في معادلة الشرق الأوسط بفضل تلاحم دبلوماسيتها وقدراتها العسكرية الضاربة، مما يستوجب على تونس إعادة بناء عقيدتها الدبلوماسية على أساس الواقعية والبراغماتية، بعيدًا عن أوهام السقوط والانكسار للإمبراطوريات الراسخة.
*كاتبة تونسية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

واشنطن.. الاعتراف المتأخر!

حمدي دوبلة* لم يكن التوصل إلى مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، سوى عودة متأخرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *