الثلاثاء , يوليو 7 2026
الرئيسية / اراء / الجنوب اللبناني: بين خطاب الضم وصمت الدولة!

الجنوب اللبناني: بين خطاب الضم وصمت الدولة!

العميد. محمد الحسيني*
لم يكن تصريح رئيس وزراء العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأن قرى لبنانية مسيحية وإسلامية طلبت الانضمام إلى إسرائيل أو الخضوع لحمايتها مجرد عبارة عابرة في خطاب سياسي. فحتى لو لم يقدّم أي دليل يثبت صحة هذا الادعاء، فإن أهمية التصريح لا تكمن في صدقيته بقدر ما تكمن في وظيفته السياسية والاستراتيجية.
واللافت أن نتنياهو لم يسمِّ أي قرية أو بلدة، ولم يحدد مواقعها أو يقدم أي وثيقة أو دليل يثبت وجود مثل هذه الطلبات. لكنه في المقابل وسّع دائرة الادعاء لتشمل طوائف متعددة، فزعم أن قرى مسيحية طلبت الانضمام إلى إسرائيل لحمايتها من حزب الله، وأضاف أن الدروز يطلبون الحماية، وتحدث عن السنة، بل وادعى أن “عدداً غير قليل من المسلمين الشيعة” يريدون تحرير لبنان ويطلبون الحماية أيضاً. إن تعميم الادعاء على معظم المكونات اللبنانية، من دون تسمية أي جهة أو تقديم أي دليل، يجعله خطاباً سياسياً مفتوحاً يصعب التحقق منه، لكنه يحقق هدفاً آخر يتمثل في الإيحاء بأن إسرائيل تحظى بقبول داخل شرائح متنوعة من المجتمع اللبناني.
فالخطاب الذي يزعم وجود رغبة محلية في الانضمام إلى دولة أخرى ليس جديداً في العلاقات الدولية، بل استُخدم تاريخياً كوسيلة لتهيئة الرأي العام الداخلي والخارجي لتقبّل وقائع سياسية وأمنية جديدة، سواء تمثلت في احتلال طويل الأمد، أو إنشاء مناطق عازلة، أو فرض ترتيبات أمنية تتجاوز السيادة الوطنية، أو حتى التمهيد لمشاريع ضم في مراحل لاحقة.
لكن ما يستحق التوقف عنده أيضاً هو أن نتنياهو قدّم إسرائيل بصورة ضمنية على أنها حامية للمسيحيين والأقليات في لبنان. فحين يزعم أن قرى مسيحية طلبت الحماية أو الانضمام إلى إسرائيل، فإنه يرسم صورة توحي بأن المسيحيين يعيشون حالة اضطهاد أو انعدام أمن تجعل إسرائيل ملاذهم الوحيد. وهذه ليست مجرد رواية أمنية، بل محاولة لإعادة إنتاج خطاب قديم يقوم على تقديم إسرائيل باعتبارها الحامي الطبيعي للأقليات في الشرق الأوسط.
ويفتقر هذا الادعاء إلى أي دليل. فلم يقدم نتنياهو ما يثبت أن المسيحيين في لبنان يتعرضون لاضطهاد ممنهج، كما لم تصدر عن المرجعيات الروحية أو الأحزاب المسيحية اللبنانية أي مواقف تؤيد مزاعمه أو تطلب حماية إسرائيل. ومن ثم، فإن تصوير إسرائيل نفسها بوصفها حامية للمسيحيين لا يعكس واقعاً مثبتاً، بل يمثل توظيفاً سياسياً لخطاب حماية الأقليات من أجل إضفاء شرعية أخلاقية على سياسات إسرائيل الإقليمية.
وليس هذا النهج جديداً في السياسة الإسرائيلية، إذ سبق لإسرائيل خلال مراحل مختلفة، ولا سيما أثناء الحرب الأهلية اللبنانية، أن حاولت تقديم نفسها حليفاً أو حامياً لبعض القوى المسيحية، كما استخدمت خطاب حماية الأقليات في أكثر من ساحة إقليمية. ومن هنا، يمكن فهم استحضار هذه الرواية اليوم بوصفه محاولة لإحياء سردية قديمة تمنح إسرائيل مبرراً سياسياً وأخلاقياً لتوسيع دورها في جنوب لبنان.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة تصريح نتنياهو بوصفه تمهيداً خطابياً لمرحلة جديدة في جنوب لبنان، وليس مجرد تعليق إعلامي. فهو يسعى إلى ترسيخ فكرة أن المشكلة ليست مع اللبنانيين، بل مع القوى المسلحة، وأن بعض السكان باتوا يفضلون الارتباط بإسرائيل على البقاء ضمن الواقع اللبناني الحالي. كما أن نتنياهو لم يتوجه في خطابه إلى الدولة اللبنانية بصفتها المرجعية الوحيدة، بل خاطب الطوائف والمكونات الاجتماعية بصورة مباشرة، وكأنها وحدات سياسية مستقلة تمتلك حق طلب الحماية أو تقرير مصيرها. وهذه مقاربة تمثل مساساً ضمنياً بفكرة الدولة اللبنانية الموحدة، ومحاولة لإعادة إنتاج لبنان بوصفه مجموعة كيانات طائفية يمكن التعامل معها بصورة منفصلة عن السلطة المركزية. وإذا ترسخت هذه الرواية في الوعي الدولي، فإنها تمنح إسرائيل هامشاً أوسع لتبرير استمرار وجودها العسكري أو فرض ترتيبات أمنية جديدة على الحدود، وربما تهيئة المناخ السياسي لأي مشاريع مستقبلية تتعلق بالمنطقة الحدودية.
ولا يمكن فصل هذا الخطاب عن اتفاق وقف إطلاق النار والإطار التنفيذي الذي أعقب الحرب الأخيرة، والذي فتح الباب أمام واقع أمني جديد في الجنوب، يقوم على إعادة رسم قواعد الانتشار والرقابة الدولية وتوسيع هامش التدخل الخارجي في إدارة المنطقة الحدودية. ويكتسب خطاب نتنياهو أهمية خاصة لأنه يأتي في مرحلة انتقالية تُعاد فيها صياغة قواعد إدارة الحدود الجنوبية، حيث لا تقتصر المعركة على الانتشار العسكري، بل تمتد إلى تشكيل السردية السياسية التي ستحدد مستقبل المنطقة. ومن هنا، فإن الحديث عن قرى تطلب الانضمام إلى إسرائيل أو الخضوع لحمايتها يمكن أن يشكل محاولة للتأثير في أي نقاش مستقبلي حول الوضع النهائي للحدود أو طبيعة المنطقة الأمنية، وتحويل الوقائع الأمنية المؤقتة إلى ترتيبات سياسية أكثر ديمومة. فكلما طال أمد هذا الواقع، ازدادت احتمالات تحوله من إجراء مؤقت إلى معادلة دائمة، وهو ما تسعى إسرائيل إليه منذ سنوات.
لكن اللافت أكثر من التصريح نفسه هو الصمت الرسمي اللبناني. فلم يصدر موقف سياسي أو دبلوماسي يتناسب مع خطورة الادعاءات التي تمس وحدة الأراضي اللبنانية والنسيج الوطني، ولم تُبادر الدولة إلى مخاطبة الأمم المتحدة أو الدول الراعية لاتفاق وقف إطلاق النار والإطار التنفيذي للاعتراض على هذا الخطاب أو المطالبة بإدانته. ويعكس هذا الصمت حالة من العجز السياسي والانقسام الداخلي، ويمنح إسرائيل فرصة لاحتكار السردية أمام المجتمع الدولي.
إن أخطر ما في الأمر ليس أن يدّعي نتنياهو وجود قرى تريد الانضمام إلى إسرائيل، بل أن يبقى هذا الادعاء بلا مواجهة سياسية وإعلامية ودبلوماسية لبنانية. فالروايات التي لا تجد من يفندها تتحول مع مرور الوقت إلى مادة قابلة للتداول في الأوساط الدولية، حتى وإن كانت تفتقر إلى الأدلة. كما يندرج هذا الخطاب في إطار الحرب النفسية، إذ لا يستهدف المجتمع الدولي فحسب، بل يوجه رسائل إلى الداخل اللبناني أيضاً، محاولاً الإيحاء بأن البيئة الجنوبية لم تعد موحدة في موقفها من إسرائيل، وأن الانقسامات الطائفية باتت أعمق من الانتماء الوطني. ومن شأن هذا الخطاب أن يزرع الشكوك بين مكونات المجتمع اللبناني ويضعف أي موقف وطني جامع في مواجهة الضغوط الخارجية.
واليوم، لا تتحدث إسرائيل فقط عن أمن حدودها، بل عن إعادة تعريف البيئة السياسية والاجتماعية في جنوب لبنان. وعندما يصبح الحديث عن “قرى ترغب بالانضمام” جزءاً من الخطاب الرسمي الإسرائيلي، ويترافق مع تقديم إسرائيل نفسها حامية للمسيحيين وسائر الأقليات، فإن المسألة لم تعد مرتبطة بإدارة مواجهة عسكرية، بل بمحاولة إعادة إنتاج شرعية جديدة لوجودها شمال الحدود، وإظهار الدولة اللبنانية بمظهر العاجزة عن حماية مواطنيها.
ولا يبدو هذا الخطاب معزولاً عن العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي قامت تاريخياً على السعي إلى إنشاء أحزمة أمنية أو مناطق عازلة في محيطها، والعمل على بناء علاقات مباشرة مع جماعات محلية خارج إطار الدول المركزية. ومن هذا المنظور، يمكن فهم حديث نتنياهو عن الطوائف والقرى اللبنانية باعتباره امتداداً لنهج استراتيجي قديم، أكثر منه مجرد رد فعل على تطورات الحرب الأخيرة.
قد لا يكون قرار ضم الجنوب اللبناني مطروحاً اليوم على جدول الأعمال الرسمي، لكن الخطاب الذي يسبق القرارات غالباً ما يبدأ بصناعة المبررات، ثم اختبار ردود الفعل، ثم تحويل الوقائع الميدانية إلى حقائق سياسية. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى تصريحات نتنياهو باعتبارها حلقة من حلقات التمهيد السياسي والنفسي لمرحلة قد تسعى فيها إسرائيل إلى تثبيت نفوذ دائم في أجزاء من الجنوب، مستفيدة من الانقسام اللبناني، ومن الصمت الرسمي، ومن الواقع الذي فرضته ترتيبات ما بعد الحرب.
*كاتب لبناني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

كيف تبنى الأوطان؟

  بقلم / عادل حويس* في لحظات التاريخ الفاصلة تلك التي لا تقاس بحركة عقارب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *