لقمـان عبدالغني الأحمـدي*
ليـس التاريخ لدى الشعب اليمـاني مجـرد تقويـمٍ تُطوى صفحاته، ولا المناسبـات الدينيـة مجـرد طقوسٍ عابـرة تُؤدى بحكـم العادة، وإنمـا هي محطات استثنائيـة لإعادة صياغة الذات، وتجديد العهـد مع الله ورسوله، واستدعـاء القُـوة الضاربة في جذور هذه الأُمَّـة.
وفي مقدمـة هذه المحطات، يتجلّى المـولد النبوي الشريف كحـدثٍ يتجاوز حدود الزمن، ليغـدو في وجـدان اليمنييـن ملحمـة إيمانيـة، وتظاهـرة تعبويـة، ومدرسـة تربويـة متجـددة تتجلى فيها أسمى معاني الولاء والانتمـاء للرسـول الأعظم والنبـيّ الأكرم، صلوات الله وسلامـهُ عليـه وعلى آله.
وحيـن يُرفع الستـار عن احتفالات اليمنييـن بميلاد الفاتح الخاتـم، لا يرى الملاحظ مجـرد أعلامٍ خضراء أو زينة تكسـو الجبـال والمـدن، بل يرى جينات الأوس والخزرج تُبعث مـن جديد.
يرى شعب الإيمان والحكمـة وهو يمارس أصالته التاريخية، في امتدادٍ طبيعي للرعيل الأول من أجدادهم الأنصار الذين آووا ونصروا يوم كفـر الناس، وعزّروا وتولّوا يوم أعرَض الآخرون.
إن هذه الهوية الإيمانية ليست شعاراً مقتطعاً من سياقه، بل هي كينونة يُعرف اليماني بها نفسـه، وبها يزن موقفه، وعبرها يحدد موقع قدمه في صراع الحـق والباطل.
ومن هنا، يصبـح الاحتفـاء بميـلاد المصطفى تأكيداً صارخاً على أن الارتباط بالرسالة والرسول ليـس خياراً هامشيـاً، بل هو شريان الحياة الذي يغذّي وجود هذا الشعب ويصون كرامته.
نعــم .. إن سر ثبـات اليمنييـن عبـر التاريخ لا يكمـن في ثراء جغرافيتهـم أو وفرة عتادهم، بل في ذلك الرصيد الإيماني الحيّ الذي يجعل من حب محمد مسيـرةً تدفعهم نحو الذرى، وترفض لهم القبول بالدون.
وفي زمـن التضليـل الاستراتيجي، وتهافت المفاهيـم، وسعي القوى الاستكبارية لتزييـف وعي الشعـوب وتجريدها من عناصـر قوتها المعنويـة، يأتي المولد النبـوي الشريف كـمحطة تربوية إيمانيـة وتزكيـة شاملة.
وتتحوّل هذه المناسبـة السنوية إلى ورشـة عمل فكرية وتربوية تُستحضـر فيها السيـرة العطـرة، لا كقصص تاريخية تُروى، بل كـمنهج حركة ودليـل عمـل، تُستعاد فيها القيادة النبوية بمعانيها الإيمانيـة والأخلاقيـة والجهادية.
يُعاد فيها تعريف مفهـوم البصيرة، للتمييـز بين الحق والباطل، وبين مشروع الأُمّـة الحضاري وبيـن مشاريع التبعيـةـ والارتهان.
تُرسـخ فيها قيمـة التكافل والرحمة بين أبناء المجتمع، متأسيـن بالنبيّ الرؤوف الرحيم.
وهـذا الشحـن الإيمـاني والوعي المتجـدد هو الذي يمنح اليمنييـن مناعـة معنوية وفكرية صلبـة أمام كتل الزيف التي تحاول اختـراق جبهتهم الداخليـة أو تشويه قيمهـم الساميـة.
إن التجلّي الأعظـم لهذا الحب والولاء لرسول الله يظهـر جلياً في انعكاسه العملي على أرض الواقـع؛ فالحب في المدرسـة اليمانية ليس عاطفة مجردة تنتهي بانتهـاء مراسم الاحتفـال، بل هو طاقة تجسيـد وموقف.
لقـد صنـع هذا الانتمـاء الصادق للرسول الأعظم حالة من البـأس الشديد في مواجهـة التحديات والأخطار، وتعلّـم اليمانيـون من نبيهـم أن المؤمـن لا يذل، وأن الهوان لم يكـن يوماً خيـاراً لمن يتبـع محمد بن عبد الله.
وفي زمـن السقـوط المخزي والهرولة نحو التولّي لطواغيت العصـر، يبـرز الموقف اليماني شامخـاً، متكئـاً على قيـم النخـوة الإيمانيـة التي تأبى الخنـوع أو الاستسلام لأي قوة استكبارية على وجـه الأرض، مهمـا بلغت هيمنتهـا أو توحشت إمكانياتهـا.
حيث يرى اليمانيـون في ثبـات النبي في شعـب أبي طالب، وفي خوضه بـدراً وأحداً والأحـزاب، معينـاً لا ينضـب في الصبـر والصمـود ومقارعة أئمـة الكفر والطاغوت.
*نقلا عن الثورة
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر