د.ايمان الشويخ*
قد يبدو للوهلة الأولى أن أي لقاء بين “حزب الله” اللبناني وأي من القوى المنضوية تحت لواء “١٤” آذار (وهي تضم القوى السياسية المعارضة للمقاومة وسلاحها بشكلٍ أساسي)، قد يبدو ذلك صعبًا و أحياناً مستحيلاً، لكن في السياسة لا شيء مستحيل، فإيران وواشنطن الخصمين اللدودين تفاوضا بطريقة غير مباشرة في موضوع الاتفاق النووي، كذلك الحال في المحادثات التي حصلت في العام الماضي بين السعودية وإيران المتخاصمتين في العراق، وقد يجلس الرئيس الروسي الذي يخوض حربه اليوم ضد أوكرانيا على طاولة المفاوضات مع أوكرانيا إذا ما اقتضت المصلحة السياسية.
وهذا يعني أن الخصومة في السياسة لاتعني قطع العلاقات بشكلٍ كلي، أو الطلاق، أو المعاداة وعدم الحديث مع الخصم في التوقيت السياسي الذي يفرض التفاوض، ولعل التوقيت السياسي اليوم في لبنان يقتضي أن تجلس كل الأطراف على طاولة واحدة، سواء “٨ آذار” (أي القوى المؤيدة للمقاومة) أو “١٤ آذار”، وما يفرض ذلك هو الاستحقاق الرئاسي للتوافق على انتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل حكومة لانتشال البلاد من مستنقع الانهيار ومسلسل الأزمات الذي لا يتوقف.
وبالعودة إلى لقاء “حزب الله” و “حزب الكتائب” فإن تسريبات مالبثت أن تحولت إلى معلومات تناولت لقاءً جمع أمين عام الكتائب سيرج داغر مع مسؤول العلاقات المسيحية في حزب الله سعيد الخنساء، في منطقة قريبة من الضاحية الجنوبية وتضم مسيحيين وهي “الحدث”، فماذا في التفاصيل؟
تقول المصادر أن اللقاء حصل وكان بطلب من “الصيفي” ( إشارة إلى بيت الكتائب وهو مقرها في الصيفي وسط بيروت) واستمر لأكثر من ساعتين وكان ودياً وإيجابيا قدم فيه ممثل الكتائب وجهة نظر حزبه بالتطورات السياسية، وبأهمية الحوار بين جميع المكونات اللبنانية لا سيما حزب الله الذي سبق ودخل في حوار مع بكركي (مركز البطريركية المارونية) وتم استئنافه قبل بضعة أشهر، في حين لم يتطرق اللقاء إلى الاستحقاق الرئاسي، خصوصا أن موقف حزب الله منه بات معلوماً لدى الجميع، وهو ترشيح الوزير السابق سليمان فرنجية (٨ آذار).
وتعتبر المصادر أنه بغض النظر عن أبعاد اللقاء فإن الرجلين المنتميين إلى “حزب الله” و “حزب الكتائب” تجمعهما صداقة وعلاقة شخصية تشمل لقاءات على الغداء والعشاء ومناسبات اجتماعية خاصة، وهناك زيارات تحصل بينهما.
وتقول المصادر أن اللقاء حُمّل أكثر من حجمه لكن لاشيء يخفي نية الحزب في الحوار مع كل الاطراف ومع بكركي (البطريركية المارونية) ماعدا حزب القوات اللبنانية.
لكن اللقاء بين حزب الله والكتائب هو ليس الأول بين طرفين متعارضين في أكثر الأمور الاستراتيجية وهو سلاح المقاومة، ففي عام 2006 وبعد اغتيال نجله بيار زار الرئيس أمين الجميل (رئيس الجمهورية 1982 ورئيس حزب الكتائب سابقاً) زار السيد حسن نصرالله في حارة حريك وتداولا وقتها في كل قضايا الساعة السياسية واستحقاق رئاسة الجمهورية وتبادلا الهموم الانسانية وفقدان الابناء.
ومنذ ذاك التاريخ وحتى اليوم لم ينقطع التواصل بين حزب الكتائب وحزب الله. فالتحاور والبناء على المشتركات مع المسيحيين يشكلان أولوية في ملفات حارة حريك ويفرد لهما مسؤول متخصص بمتابعتهما والذي يعمل في وقت واحد على ملفات بكركي والمرجعيات الدينية المسيحية وورقة التفاهم مع التيار الوطني الحر والتواصل مع الكتائب اللبنانية والأحزاب المسيحية الأخرى. في المقابل يحرص حزب الكتائب أيضاً على عدم تفويت أية فرصة لإبقاء القنوات مفتوحة مع الحزب وبين النائب سامي الجميل، وليس أدل على دفء هذا التواصل إلا زيارة وفد الكتائب برئاسة سجعان القزي لزيارة مكان التفجير الإرهابي الذي وقع في الرويس في الضاحية الجنوبية (2013) ومن ثم تمثيل وفد كتائبي الرئيس الجميل في تعازي السفارة الايرانية في بيروت بشهداء التفجيرين الانتحاريين 2013
لكن السؤال هو لماذا يتخفى حزب الكتائب في محاولاته إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع حزب الله، هل ذلك يحرجه أمام أنصاره الذين أخذوا ينتقدون و يعارضون، وهذا بسبب نظام طائفي كرس الاقتتال بين جمهور الأحزاب فيما تحاول هي أي الأحزاب تحيّن الفرص للانفتاح على بعضها البعض بما فيه مصلحتها.
حزب الله حواري النزعة، وصاحب قناعة ومصلحة أن ينفتح على كل الأطراف المسيحية لا التيار الوطني الحر فقط ( الذي ينتمي إليه رئيس الجمهورية السابق ميشال عون) وهو الحليف المسيحي لحزب الله، وبالتالي فإن التوافق هو مايريده الحزب وهو يخدم للوصول بوقت أسرع للتفاهم حول رئيس توافقي، وبالتالي فإن اللقاء يؤكد إنفتاح حزب الله على جميع المكونات اللبنانية، وعدم إغلاقه باب الحوار أو التواصل في وجه أي منها مهما بلغ حجم الهجوم عليه، خصوصاً أن اللقاء حصل بعد الكلام عالي السقف للنائب سامي الجميل (رئيس حزب الكتائب) تجاه حزب الله، فهل تشهد المرحلة المقبلة حوارًا بين حزب الله وحزب القوات اللبنانية؟ لا شيء مستحيل في السياسة، لكن الانتظار لما ستؤول إليه الأمور في الساحة الداخلية يجيب على كل التساؤلات.
*صحافية وكاتبة لبنانية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر