الخميس , مارس 19 2026
الرئيسية / اراء / كيف يبدو المشهد الخليجي والعربي من واشنطن الآن؟!

كيف يبدو المشهد الخليجي والعربي من واشنطن الآن؟!

د. فياض العبد قازان*
لقد رحب واضعوا الخطط الاستراتيجية الأميركية والغربية بحرب السنوات الثمان بين جمهورية إيران الإسلامية والنظام العراقي الذي بدأ حربه على إيران وكأنها حرب بالوكالة نيابة عن الولايات المتحدة، وبتمويل من النظم الخليجية الحاكمة مما بدد ثروة العرب والمسلمين النفطية ناهيك بالخسائر البشرية والمادية لمصلحة الغرب الذي كان يبيع الأسلحة للطرفين في الوقت ذاته: العراق وإيران! وكان من مصلحة الغرب استمرار الحرب المدمرة تلك بغية بيع الأسلحة والفوز بعقود إعادة الإعمار حين تنتهي حرب الثمان سنوات بين البلدين!
ولما انتهت الحرب بانتصار النظام العراقي، كاد ينهار ذلك النظام تحت عبء ديون الحرب التي زودته بها النظم الخليجية، خاصة دولة الكويت! لقد انتهت حرب الثمان سنوات ولم يكن توقفها مجزيا أو مجديا لنظم الاقتصاد الغربية خاصة الاقتصاد الامريكي المدمن على إشعال الحروب وإذكاءها عبر العالم محافظة على معدل الأرباح والاستثمارات الرأسمالية الأمريكية، كما تنبئ المفكر العظيم كارل ماركس رحمه الله!
بعد انتهاء الحرب الإيرانية العراقية بفترة قصيرة، لقد بدأت أقرأ عناوين صحف أمريكية كبيرة في الصفحة الأولى: العراق يمتلك رابع جيش في العالم! أين وجهة صدام حسين التالية؟ وهكذا! لقد قلت لأصدقائي أنظروا لما وراء العناوين! إنهم يبيتون شيئا خطيرا للعراق ربما يؤدي لتدميره في الكامل! وهذا ما جرى بالفعل! لقد قالت السفيرة الأمريكية إبريل غلاسبي للرئيس صدام: “إن الولايات المتحدة لا تهتم بما يحدث بين العراق ودولة الكويت!” لقد اعتبر الرئيس صدام كلام السفير بمثابة ضوء أخضر أميركي إليه لاحتلال دولة الكويت! وحينما كانت حشود الجيش العراقي تتجه نحو الكويت كما بينتها الأقمار العسكرية الأمريكية، لم تحذر إدارة الرئيس جورج بوش الأب الرئيس العراقي من مغبة احتلاله لدولة الكويت لأن احتلال هذه الأخيرة مربح جدا للاقتصاد الأمريكي وغيره من اقتصادات الدول الغربية الذين بدأوا التفاوض على مكاسب ما سموه حرب “تحرير الكويت” قبل “تحريرها!”
لقد عبربعد، احتلال دولة الكويت، السناتور الأمريكي لس آسبن عنها بوضوح قائلا: “إن الولايات المتحدة لا تستطيع قبول الوضع الحالي في العراق! نحن نريد إما بقاء الرئيس صدام حسين في العراق من غير جيشه، أو بقاء جيش الرئيس صدام حسين في العراق من دونه! “
لقد قلت لأصدقائي إن ما قاله السناتور أسبن غير صحيح، أي أن الولايات المتحدة تريد الرئيس صدام من غير جيش وليس العكس! وهكذا جرى على طريق الموت High Way of Death حين أصابت الولايات المتحدة بقيادة الجنرال ألأميركي كولن باول حوالي 200000 جنديا عراقيا بين قتيل وجريح وهم ينسحبون، او يهربون من الكويت!
لقد ثار العراقيون، خاصة السكان الشيعة منهم، بعد أن أدركوا ما حدث لأبنائهم، لكن النظام العراقي قمع تمردهم أمام مرأى ومسمع القوات الأميركية التي لم تحرك ساكنا كما فعلت في حالة السكان الأكراد الذين ثاروا أيضا! لقد كان هدف الولايات المتحدة واضحا: إبقاء الرئيس صدام حسين في الحكم بغية ابتزاز العراق جراء العقوبات الدولية التي نجمت عن غزوه الكويت! لقد حرص الغرب، مثلا، على إبقاء الأمبراطورية العثمانية أكثر من 200 سنة وقد تخلصوا منها حين كان الوقت مناسبا بالنسبة إليهم! وبالمثل حرص الأمريكيون على إبقاء الرئيس صدام حسين في الحكم كي يواصلوا الإستفادة من بقائه في الحكم في إضعاف دولة العراق بعد أن أعادوها إلى حقبة ما قبل التصنيع في القرن التاسع عشر، وتنفيذ الحصار، والتجويع للشعب العراقي خاصة الأطفال منهم! لقد اعتقد الرئيس صدام وبعض العرب سذاجة أن الولايات المتحدة والغرب عموما سيتعاطفون مع الرئيس صدام لأنه أوقف ما سموه “المد الإسلامي!” أي أن الولايات المتحدة والغرب سيكافئون الرئيس صدام، حتى وإن أخطاء، تقديرا له على محاربة الجمهورية الإسلامية وتدميرها، وتدمير العراق! لكن الإقتصاد السياسي للحرب لا يرى سوى مصالح الربح والخسارة المالية بين الدول فقط، وليس هناك مجالا للعواطف، والحفاظ على ماء الوجه!
لقد قالها الرئيس الأميركي جورج بوش الأب بصراحة، وإن كان قوله وقاحة، سنة 1992 عن احتلال الرئيس صدام حسين للكويت: ” إننا لا نستطيع تحمل، أو تقبل سيطرة دولة واحدة عربية على أكبر احتياطي للنفط في العالم!” هذا القول يثبت أن حرب عاصفة الصحراء لم تكن حرب “تحرير واحترام لحقوق الإنسان!” لقد كانت حرب استمرار استيلاء، واستحواذ الغرب على الثروة النفطية العربية وأرصدتها Petro-dollars واستخدامها لمصلحته وليس لمصلحة العرب أو المسلمين!
لقد قررت الولايات المتحدة غزو العراق والتخلص من الرئيس صدام هذه المرة، أي سنة 2003 بعد أن عمل الأميركيون لإبقائه في الحكم بعد حرب عاصفة الصحراء سنة 1992 “كفزاعة” يرعبون بها الكيانات الخليجية الهزيلة كي يواصلوا ابتزازها ببيع الأسلحة، غير المجدية لها كثيرا! لكنهم بسبب معلومات مضللة تتصل بإدعاء تعاون النظام العراقي مع منظمة القاعدة، وإدعاء حيازة النظام العراقي لأسلحة الدمار الشامل، قاموا بغزوه، وكلاهما ثبت بطلانهما!
لكن الولايات المتحدة تواصل استخدام لعبة التخويف للسيطرة المتزايدة على نظم الحكم الخليجية المذعورة، التي أوجدها الغرب كي تكون مذعورة باستمرار، باستخدام الولايات المتحدة “البعبع الإيراني” اليوم خاصة بعد انتشار تأثير الجمهورية الإسلامية وامتداده إلى اليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان، أي ما يعرف بما يسميه الملك الأردني “الهلال الشيعي” الذي يبدو أنه يهدد المملكة الأردنية الهاشمية أيضا أكثر من تهديد “نجمة داوود” الإسرائيلية لها!
الآن أنتقل إلى الجزء المهم من مقالتي الأولى في السنة الجديدة 2023! إني لست عرّافا ولا أقرأ في الفنجان! لكن ثقافتي وتجاربي تزودني باستبصارات وتنبوءات تتحقق في معظم الأحيان! لهذا أجازف التنبئ بما يلي:
بعد نجاح الولايات المتحدة في مصر والأردن، ونجاحها في تدجين السلطة الفلسطينية لمصلحة الكيان الإسرائيلي، نجحت أيضا في إحداث اختراق في بعض الدول الخليجية لتحقيق التطبيع مع الكيان الإسرائيلي مستخدمة “الفزاعة أو البعبع الإيراني” كتهديد خطير يستوجب، وفق الإدارة الأمريكية، إغفال القضية الفلسطينية بما فيها القدس الشريف من جانب النظم المطبعة مع الكيان الإسرائيلي، والتركيز بدلا من ذلك على أمنها الذي يمكن للكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة أن يضمناه حتى ولو أدارت الدول الخليجية ضهرها كليا لقضية فلسطين والقدس الشريف!
إن البحث عن الأمن وإيجاده من جانب نظم الحكم الخليجية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل هو نوع من الركض وراء السراب في الصحراء! إن استنجاد الدول الخليجية بالولايات المتحدة تاريخيا كان مفهوما: حماية دولة عظمى لمصالحها الإستراتيجية المتصلة بالبترول كما بين إعلان الرئيس تجمي كارتر عن أهمية بترول الخليج للأمن القومي الأميركي سنة 1980! إن أهمية منطقة الخليج بالنسبة إلى الولايات المتحدة تضاءلت منذ ذلك الزمن مقارنة بأهمية منطقة الخليج الهادي، ومنطقة البحار المحاذية للصين وما تمثله من تهديد إلى الولايات المتحدة اليوم! إن الولايات المتحدة تقدم الكيان الإسرائيلي لكيانات الحكم الخليجية عاملا يساعدها، بالإضافة إلى الولايات المتحدة، في تحقيق أمنها!
على العكس من ذلك، إن المشكلات الأمنية الخليجية ستتفاقم في ظل هذا التفكير الأميركي الجديد! إن وجود الكيان الإسرائيلي في منطقة الخليج العربي الفارسي المسلم سيفاقم المشكلات الأمنية للدول الخليجية أكثرمن خطرها على الجمهورية الإسلامية التي سترى فيه أيضا استفزازا لا يمكنها تحمله، أكثر من استفزاز الولايات المتحدة، كقوة عظمى سابقا لها! طبعا ستكون هناك فرص بيع أسلحة أميركية، وإسرائيلية، وبيع استشارات، وخبرات تجعل من تكاليفها مقارنة بتكاليف الحروب الخليجية السابقة باهضة جدا، إن لم تكن فلكية !
إن الكيان الإسرائيلي سيرى التغلغل في الكيانات المطبعة معه فرصة العمر لا تكاد تُصدق! سيواصل الكيان الإسرائيلي تهويد فلسطين والقدس، وإرهاب الشعوب العربية في سوريا ولبنان والعراق والأردن بينما يتغلغل في اقتصادات، ومنظومات الأمن، والحكم، والثقافات الخليجية باستخدام كافة أنواع التجسس، والمخابرات، والجنس، أو الحريم كالأخطبوط لا يمكن للكيانات الخليجية التخلص من خطره مستقبلا! أي سيكون وضع نظم الحكم الخليجية وغيرها من النظم المرتكبة لجرائم التطبيع كالمستجير من الرمضاء بالنار، أو كما يقول المثل في الثقافة العربية: “لقد جاءتنا أمريكا بالكحل (الإسرائيلي) لكنها عمتنا!”
اللهم اشهد أني بلغت!
*مؤلف وخبير في الإعلام الدولي والتنمية المستدامة

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

بيبي نتانياهو غير متاح حالياَ!

  د. لينا الطبال* فيديوهات إثبات الحياة = حجم الأزمة × منسوب الذعر هكذا يبدأ …