كمال خلف*
تقدمت خطوات المصالحة بين ايران والسعودية، بعد فترة من الجمود المؤقت تلت توقيع الاتفاق بين البلدين في بكين. زيارة وزير الخارجية الإيرانية حسين امير عبد اللهيان الى المملكة وضعت أسس العلاقة، وحققت قفزة كبيرة في مسار استعادة العلاقات. اللقاء الذي جمع عبد اللهيان بولي العهد السعودي كان يعني ان المملكة حسمت خيارها، وان تحويل حالة الخصومة مع ايران الى نوع من الشراكة هو اتجاه السياسية السعودية للمرحلة المقبلة. هذا المشهد بالمعنى بالمباشر يزعج قادة إسرائيل، كان نتنياهو قبل وقت قصير ينتظر الجائزة الكبرى بضم السعودية الى نادي التطبيع العربي فمشروع توسيع اتفاقات ابراهام كان في صلب اهتمام الإدارة الامريكية السابقة والراهنة. كان الطموح هو الوصول لتشكيل تحالف عربي إسرائيلي ” الناتو الشرق اوسطي ” يعزل ايران ويدمج إسرائيل بالمنطقة. لكن في زحمة تلك المشروعات غيرت المملكة السعودية اتجاه سياساتها. ولا شك ان لذلك أسباب ذاتية سعودية ترتبط بطموحات الاستقرار والتنمية والريادة الاقتصادية، واغلاق ملف الحرب في اليمن وتسوية غيرها من القضايا الداخلية والملفات الإقليمية. اما العامل الأكثر أهمية فهو ذاك المتصل بتوازن القوى العالمية في مرحلة تغييرات باتت حتمية في بنية النظام الدولي.
واذا كان التطبيع بين المملكة وإسرائيل يصب في مصلحة الاستراتيجية الامريكية حسبما صرح المتحدث باسم الخارجية الامريكية لصحيفة ” إسرائيل هيوم ” امس. فانه بالمقابل المصالحة بين ايران والسعودية تصب في مصلحة القوى الدولية المقابلة للولايات المتحدة على المسرح الدولي ” روسيا والصين “. وفي مصلحة تغيير البيئة السياسية والأمنية والاقتصادية والإعلامية التي تسيدت الحقبة السابقة بكل ما حملته من توترات، وحملات إعلامية، وسياسات وتحالفات.
أظهرت المصالحة السعودية الإيرانية ان الرياض تقرأ بشكل دقيق حركة ميزان القوى ومستقبل التموضع السياسي في الإقليم واتجاهات السياسات الدولية. ولم تفلح الجهود الامريكية حتى الان رغم تركيزها الحثيث لجر السعودية نحو اتخاذ خطوات تجاه إسرائيل. ورغم ان السعودية لم تقل لا كبيرة للجهود الامريكية، الا انها بدلا من الرفض الصريح لجأت لرمي شروطها على الطاولة. وبتقديرنا ان صانع القرار في الرياض يعرف مسبقا ان حكومة على شاكلة حكومة نتنياهو موغلة بالتطرف والفاشية لن تقبل بالطلبات السعودية التي تبدأ بامتلاك المملكة لبرنامج نووي وتنتهي بقبول تل ابيب حل الدولتين ومنح الفلسطينيين حق تقرير المصير. وربما اتبعت الرياض المثل العربي الشهير ” اذا اردت ان لا تزوج ابنتك ارفع مهرها “.
حملت القاعة التي عقد فيها وزيري خارجية الرياض وطهران المؤتمر الصحفي اسم ” قاعة القدس “. علق عبد اللهيان على الاسم واعتبره امر يلقى استحسانا خاصا، اذا كانت هذه الحركة المدهشة من كلا الطرفين مقصودة او مصادفة، الا ان خروجها للعلن وبهذا الشكل ومن الرياض وبحضور الوزير الإيراني وامام وسائل الإعلام وجه صفعة مدوية على وجه نتنياهو.
إسرائيل ولأول مرة منذ أقامها الغرب في منطقتنا قبل اكثر من سبعين عاما تبدو عاجزة، وخارج الصورة. لم يكن الاتفاق الإيراني الأمريكي الأسبوع الماضي والذي قضى بإفراج طهران عن خمسة سجناء أمريكيين مقابل رفع واشنطن الحظر عن أموال إيرانية مجمدة في كوريا الجنوبية والعراق سوى دليل على هذه الحقيقة. عارض قادة إسرائيل الخطوة، ورفعت وسائل الاعلام الإسرائيلية عقيرتها مهاجمة الاتفاق مع ايران بحجة ان الأموال المفرج عنها ستكون في خدمة الاجنحة الإيرانية “حسب وصفها “. لكن صوت الضجيج الصادر من تل ابيب لم يكن له تأثير في مضي الاتفاق نحو التنفيذ.
الازمة الداخلية العميقة في إسرائيل وتنافر مكونات مجتمع الاحتلال، وعجزها امام قوى المقاومة التي تراكم القوة على الحدود بجد وثبات، فلا هي قادرة على شن الحرب والقضاء عليها، ولا هي قادرة على التعايش مع تنامي قدراتها، وما يشكله ذلك من تهديد وجودي، والاهم الفشل امام ايران التي خرجت من القمقم، وبدأت تحجز مكانة لها بين القوى العالمية الصاعدة، وتعيد صياغة علاقاتها في الإقليم. اضيف لها الى بروز تحولات ذات طابع تاريخي بدأت تطرأ على مكانة وقوة وتأثير المنظومة الغربية في العالم، وهي المظلة التي أنشأت إسرائيل وحافظت على تفوقها العسكري في المنطقة، ووفرت لها حصانة دولية افلتت بموجبها من المحاسبة على كل الجرائم التي ارتكبتها وترتكبها يوميا بحق الشعب الفلسطيني. كل هذه العوامل تدفع للاستنتاج ان إسرائيل اليوم في حالة انكماش وتقلص للدور والتأثير وهذا سوف يستمر في المدى المنظور، وسيكون لها تداعياته في بيئة الإقليم السياسية والأمنية.
التقارب بين السعودية وايران يعني ان الاعتماد على الولايات المتحدة في المنطقة للحماية والامن بات يتقلص، وان دولة مثل السعودية بقيادة شابة قادرة على الاعتماد على الذات في بناء شبكة شراكات وفق مصالح متبادلة مع قوى إقليمية ودولية متنوعة.
الاتفاق بين ايران والسعودية وبين ايران وكافة الدول العربية، هو الطريق الصحيح لامن واستقرار المنطقة ورفاهية شعوبها.
كنا من على هذا المنبر الحر وقبل سنوات طويلة وفي عز الخلافات والتوترات، ندعو للحوار سبيلا لحل الخلافات، وكنا ننبذ الحملات الإعلامية، ولغة الشيطنة، واستعمال الخطاب الطائفي وتوظيفه في السياسية. وكنا نتحمل الشتائم، والاتهامات، والمنع، والحظر، ودفعنا ثمنا لهذه القناعات ولا نبالي.
بالمقابل كان أصحاب اثارة النعرات والغرائز، وأصحاب لغة الأحقاد والكراهية، هم الطفليات التي تتكاثر وتنمو وتزدهر وتعتاش على الخلافات والاحقاد والدم والدمار. نعتقد اننا نتجه نحو حقبة جديدة من تاريخ هذه المنطقة، وعلينا جميعا ان ندرك أهمية التغيرات الحاصلة، وان لا نعود خطوة واحدة الى الوراء.
*كاتب واعلامي فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر