السبت , يناير 31 2026
الرئيسية / اراء / المطلوب لا عقلانية!

المطلوب لا عقلانية!

علي الزعتري*
استنتج ما تريد!
لا ينفك العربي عن مقارعةِ يومه، أو قرنهِ، الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي، بين عقلانيةٍ تستدعيها عقول السياسيين و مطلوبٌ تستدعيهُ الشعوب هو عند هذه الشعوب مطلبٌ أكثرَ حسماً للحالة العربية المتراجعة أمام زحف الصهيونية و تفشي الفساد و الفقر و الحروب الأهلية بين الأشقاء، من بين مسببات التراجع المتعددة التي لا ترحم بلداً. و بينما ينظر السياسيون لهذه المقارعة بمنظورِ آداب تعامل الياقات البيضاء الدبلوماسية أو المنعمة، يتمنى بعض المواطن العربي حسماً عكس هذا تماماً يرقى عند البعض لمرحلة الحرب العارمة على الظلم. و للطرفين حجةٌ و برهانٌ الغلبةُ فيهما ليست للمواطن سواء اعتنق العقلانية أم جفاها. و لا أقول أن السلام عقلاني و الحرب هوجاء فقد يكون العكس في حالة الاحتلال و الاختلال القومي هو الصحيح، وهذا يعززُ من مشقةِ المقارعة و يفاقم من أزمات الثقة المترسخة بين العربي و حاكمهِ. لكن المنظور العام في هذه العلاقة و على مدِّ التاريخ يؤكد أن الحاكم أو صاحب الحظوة ينظر لنفسهِ و أفعالهِ على أنها عقلانية و أن مطالب شعبهُ أو معارضيه هوجَاء لا يفيدها إلا أن يُساسَ الشعب بالعقلانية الحاكمة. أما علاقةَ تبادل الحكم بالانتخابات و التعيين فتدحض نجاحها صور الحكم العربية المختلفة التي لا تخفى على أحد. هنا بكل بساطة رأيُ حاكم و هو يسود.
و من الشائع تقسيم موضوع النقاش، و ما سبق فيهِ تبسيطٌ و تجزأةٌ بين عقلاني وغير عقلاني، وبين حكومي و شعبي. لكن الواقع يقول بانقساماتٍ متعددةٍ داخل كل جزء. فلا كل حكومي عقلانيٌ و لا كل شعبي جموحٌ، و العكس صحيح بالطبع، بل تتبدل الأدوار و الأفكار و الأهواء في كل شأن. غير أن ملمحاً وحيداً يبقى سيِّدَ الحالات: من يملك السلطة يُملي إرادته. والسلطة هي الحكم و المال و يتبعهما السلاح و النفوذ و كل ما يمكن أن يجعلَ رأياً و نظرةً و توجهاً يسود سواء كان عقلانياً بنظر من يملكهم أم همجياً بنظر غيره. هذا هو المنطق العربي من أدنى مراتبهِ لأعلاها وفي أي شأنٍ عظيمٍ و صغيرٍ و بأي مكان و زمان.
عليهِ، نحن نعيش زمناً عجيباً في مجتمع يسيطر فيه القوي الحاكم على مسلوب الإرادة، باسم العقلانية التي قد تكون همجيةً و باسم الهمجية التي ترتدي ثوب العقلانية. و تبريرَ كل حالةٍ ليس صعباً بوجود بارعين في التبرير و سريعين في الإدانة للمعارضين. الأمثلة الحكومية و الشعبية عديدة. البلطجة والزعرنة الممارسة مع مقاومين للصهيونية هي عند أصحابها عقلانيةٌ سياسيةٌ لحماية مكتسبات السلام والأمن المجتمعي! ثني يد الإعلام عن التطرق للفساد والإفساد والإثراء بالاحتيال وهدر الموارد هو عقلانيةٌ سياسيةٌ لتجذير النماء و لوقف نشر الإشاعات المغرضة! تدفق الصهاينة للسياحة ببلادنا و أشكال التطبيع المختلفة عقلانيةٌ سياسيةٌ كذلك لزيادة الدخل و برهاناً كم نحن ملتزمون بالاتفاقيات بين “الدول”. قتال الأشقاء عقلاني عند كل شقيق فالغاية هنا هي القضاء على الخائن الآخر. أما المطلوب الشعبي العاقل فهو عكس ما ذكرتهُ في هذه الأمثلة. لكن المفهوم الشعبي للعقلانية و ما هو مطلوبٌ يصطدمُ بممارساتٍ شعبية لا عقلانيةً كما أراها على الأقل و عقلانيةً تماماً لدى ممارسيها. لو افترضنا أن النوادي الرياضية تمثل مطالب الشعب فما هي العقلانية لصرف مئات الملايين “لشراء” الرقيق الجديد اللاعب بالكرة؟ و ما هي العقلانية في موطنٍ محتل أن يقامَ فيه حفل زفاف أسطوري فيما المنازل تنسف و الشهداء تسقط؟ و ما هي عقلانية العيش بديون تتخطى دخولنا؟ هي عقلانية السلطة والثراء القوي غير الآبه، فمن يملك المال حُرٌ كيف يصرفه. و ما هي عقلانية شعوب ترحب بالصهيوني مخدوماً سائحاً لأنه يصرف مالاً ببلادنا؟ أو ترقص لساعاتٍ احتفالاً بمهرجان غناء أو تتعرَّى طواعيةً؟ و ما عقلانية التغني بسلاح جيوش لامع و المدارس و المشافي متهالكة؟ إنها عقلانية الجشع و العازة و الفجور و الوطنية الزائفة التي تنكشف عندما يتقاتل الأشقاء. لكنها أيضا عقلانيةَ شعوبٌ وصلت لهذا المستوى من الإذلال و القبول لأن حكوماتها أوصلتها له. لأن العقلانية السائدة هي أن الحاكم و الحكومة هم أولي الأمر و واجبٌ طاعتهم، ديكتاتورياً أم ظاهرياً ديموقراطياً حكموا. ببلادنا تنتشر الفضيحة السياسية و الأخلاقية و الجُرمية و تُسَمَّى انفتاحاً و تعددية اقتصادية كما في الوقت ذاته تُهاجمُ لانحلالها. و ببلادنا كذلك تنتشرُ آيات التزمت الخانق و الطقوس و تُسَمَّى ديناً، و عندما تُرفعُ راياتها لدى مناصريها يحتفي مناكفوها بالوسطيةِ زورقَ نجاةٍ من التطرف، و المعركة بينهما سجال. و ببلادنا تنتشر جيوشٌ غريبةٌ و تُسَمَّى تحالفاً و كثيرٌ يطلقون عليها لقب الاحتلال. كلها عقلانيةٌ متعاكسةٌ و مطالبُ متنافرة.
نحن نعيش أوقاتاً السيئَ الفاحشَ فيها صار هو الجيد المطلوب، و الحسنَ الأصيل صار هو العدو المرفوض. و هذا من غير شك عقلانيةٌ بحد ذاتها. حين ترى الحكومات و من يصطف معها من الشعب أن مصلحتها هي في التصالح مع الصهيونية و التغطية على الإفساد وتكميم الألسنة فهي تفرض عقلانيتها الحاكمة. و ما غيرها في نظرها هي مطالب لا عقلانية بل همجية. و المطلوب الشعبي الذي يستند على حق، و الذي صار الاستثناء المنبوذ، هو كذلك هائمٌ غير واضح فيما يريد و كيفية الإرادة، ففيهِ عقلانية و فيهِ فوضى لا تساعده في مواجهة عقلانية و فوضى الانحلال السياسي والمجتمعي المستقوية بالنفوذ والسلطة و الغريزة و التحالفات العديدة دون اللجوء للتطرف في الوصف و الحكم و الفعل.
أنحن بين عقلانيتين و مطلبين؟ عقلانية السلام و نقيضها مطالب التحرير؟ و عقلانية التحرير و نقيضها مطالب السلام؟ و بينهما حُزَمٌ من العقلانيات و المطالب التي تمس الدين و الأخلاق و الثراء والفقر بين أمورَ حياتيةٍ عديدة؟ بلى و كلهم يأتون بالتبرير والحجة على صوابهم و نحن لا نملك منهم إلا الحيرةَ الأليمة أيهم الأصح والأفضل. هل أن صمتنا عن الاحتجاج على رمي الذات الوطنية فينا تحت أقدام انفلات الأخلاق و التطبيع هو لمصلحةٍ لا نعيها و يعيها من يعلم و يحكم؟ هل سكوتنا على مظالم و آثام وإفساد رِضىً بها في سبيل أن نعيش ليومٍ آخر قد يكون أنظفَ؟ أم أن السكوت فسادٌ في العقول و القلوب؟ و ماذا لو تغلبت عقلانية اللا على عقلانية الرضى، فهل هي همجيةً فينا ستقودنا للهلاك؟ إنها أسئلةٌ حقيقيةٌ في العقل العربي، حتى عند ذاك الذي قبلَ قليلا أو كثيراً من الانحناء للغير الغريب. و لا تجدَ الجوابَ المقنع. رويداً نَصِلُ للأغلبية الصامتة، القابضة على جمر الصبر، بين همجيةٍ ترتدي و تُردينا عقلانيتها السقيمة، و عقلانيةٍ يرميها الجمعُ بهمجيةٍ، و نحن نرى و نسمع و نصمت فلا الأولى تقنعنا و لا الثانية تنقذنا.
*كاتب أردني ودبلوماسي أُممي سابق

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

شكرا جوارديولا !

رشيد بورقبة* أثار موقف المدرب الإسباني غوارديولا اعجاب العالم أمس بمدينة برشلونة وهو يدافع بشراسة …