د.رجب السقيري*
التدابير المؤقتة التي فرضتها محكمة العدل الدولية يوم الجمعة الماضي على إسرائيل ، والتي لم يكن بينها وقف إطلاق النار أو وقف الحرب ، تضمنت إجراءات لمنع الإبادة الجماعية في قطاع غزة ومنع التحريض على الإبادة مع التأكيد على حق الفلسطينيين في القطاع في الحماية من أعمال الإبادة وأن على إسرائيل توفير الاحتياجات الإنسانية الملحة لهم وتجنب كل ما يتعلق بالقتل والاعتداء والتدمير . كما طلبت المحكمة من إسرائيل رفع تقرير في غضون شهر بشأن التدابير المذكورة آنفاً.
لا يهدف هذا المقال إلى تناول التحليلات وردود الأفعال العربية والعالمية على قرارات المحكمة ، رغم أهميتها وتنوعها وتعددها ، وإنما إلى إلقاء الضوء على السؤال : ماذا بعد ؟ وهل ستبقى هذه القرارات حبراً على ورق أم أنها ستجد طريقها نحو التنفيذ وكيف؟
محكمة العدل الدولية كأحد الأجهزة الستة الرئيسة للأمم المتحدة هي الذراع القانوني للمنظمة الدولية ولعل أحد أهم عناصر قوتها أن قضاتها يتمتعون بنوعٍ من الاستقلالية والمفروض أنهم يتخذون قراراتهم بنزاهة وموضوعية وبحيادٍ تام دون النظر إلى مواقف الدول التي ينتمون إليها . لكن المعضلة الكبرى أن المحكمة ليس لها أنياب (كما يقال) فهي لا تملك آليةً لتنفيذ قراراتها ، وإنما ترسل قراراتها إلى الأمين العام للأمم المتحدة الذي يقوم بدوره برفعها إلى مجلس الأمن من أجل التنفيذ. فما الذي سيحدث في مجلس الأمن عندما يجتمع يوم الأربعاء القادم بناءً على طلب الجزائر وهي العضو الجديد غير الدائم الذي يمثل المجموعة العربية في المجلس ؟
سيناريوهات محتملة في مجلس الأمن
من المتوقع أن تعد الجزائر بالتعاون مع جنوب إفريقيا والمجموعة العربية مشروع قرار تقدمه إلى مجلس الأمن يدعو إسرائيل إلى التنفيذ الفوري للتدابير التي قررتها المحكمة وربما تضيف إلى تلك التدابير وقفاً دائماً لإطلاق النار ، وكما هو متبع عادةً ستجري مشاورات بين أعضاء المجلس قبل طرح مشروع القرار للتصويت ، وسيحاول وفد الولايات المتحدة تسانده وفود بريطانيا وفرنسا إضعاف مشروع القرار وعدم تضمينه وقفاً لإطلاق النار بل ونزع كل مقومات القوة من القرار مع تهديد مبطن باستعمال حق النقض (الفيتو) إذا أصرت الجزائر والدول الأخرى المساندة لها على تضمين القرار وقفاً دائماً لإطلاق النار ، كذلك ستحاول الولايات المتحدة إضافة بندٍ إلى مشروع القرار حول الإفراج الفوري غير المشروط عن المحتجزين الإسرائيليين دون ذكر شيءٍ عن آلاف الأسرى الفلسطينيين الذين تحتجزهم إسرائيل في سجونها .
في ظل الخلافات في وجهات النظر بين الدول المؤيدة لقرار قوي وقابل للتنفيذ تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة وتلك المؤيدة لقرار ضعيف بحجة أن القرار الضعيف يحظى بإجماع أعضاء المجلس أو على الأقل بأغلبية مريحة ويتجنب الفيتو المحتمل من أمريكا أو من أيٍ من الدول الخمس دائمة العضوية ، وهنا يبدأ الشد والجذب وتبدأ الدول الأعضاء باقتراح تعديلات على مشروع القرار الأصلي المقدم من الجزائر . والمتوقع أن تلعب كل من الصين وروسيا دوراً هاماً في المشاورات التي قد تستغرق ساعاتٍ طويلة أو عدة أيام .
لا بد من التنويه هنا أن الولايات المتحدة ستحاول جهدها لتجنب استعمال الفيتو لأنها لو فعلت ستكون في موقف محرج أمام دول العالم والمجتمع الدولي وستخسر ما تبقى لها من رصيد أخلاقي لأن الأمر يتعلق بقرارات محكمة العدل الدولية التي تحظى باحترام العالم . لذلك ستلجأ واشنطن إلى محاولة تعديل القرار وإضعافه بقدر ما تستطيع خدمةً لحليفتها إسرائيل ، ولكي تنجح محاولات التعديل ستقوم بممارسة ضغوط على ما تيسر من الدول العشر غير الدائمة في المجلس وهي إضافة إلى الجزائر ، الإكوادور وغويانا واليابان ومالطا وموزامبيق وكوريا الجنوبية وسيراليون وسلوفينيا وسويسرا .
أما الجزائر ، مقدمة مشروع القرار ، فيتوقع أن تحاول ما أمكن الحصول على تأييد كلٍ من الصين وروسيا لدعم مشروع القرار بصيغته القوية وعندها سينقسم الأعضاء إلى قسمين أحدهما يؤيد قراراً قوياً ويضم الصين وروسيا وستة أو سبعة من الأعضاء غير الدائمين بينما يضم القسم الآخر كلاً من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا إضافة إلى ثلاثة أو أربعة من الأعضاء غير الدائمين . في هذه الحالة وإذا توفر لمشروع القرار دعم أغلبية أعضاء المجلس وتقرر التصويت عليه في جلسةٍ علنية فلن يكون أمام واشنطن سوى استخدام الفيتو لإجهاض مشروع القرار وستؤكد في شرح تصويتها أنها لم تعارض التدابير التي أقرتها المحكمة وإنما عارضت مشروع القرار المطروح في المجلس والذي، على حد زعمها، لا يعكس بدقة وموضوعية قرارات المحكمة.
طبعاً لا تقتصر محاولات التعديل على الولايات المتحدة ، إذ يمكن أن تتقدم روسيا أو الصين أو كلاهما بتعديلات قد تحظى بقبول أغلب أعضاء المجلس على أن يبقى مشروع القرار متماسكاً وقوياً . لكن ما الذي سيحدث إذا بقي المشروع قوياً بعد محاولات التعديل وقامت الولايات المتحدة فعلاً باستخدام الفيتو لإجهاضه؟ في هذه الحالة لا يبقى أمام الجزائر وداعميها في المجلس سوى نقل المسألة إلى الجمعية العامة حيث تتساوى أصوات الدول ولا وجود فيها للفيتو .
إلى الجمعية العامة
يتوقع أن يحظى مشروع القرار بأغلبية مريحة في الجمعية العامة خاصةً إذا نجحت الجزائر والمجموعة العربية في استقطاب عدد كبير من أعضاء الجمعية العامة بما في ذلك الدول الإسلامية ومجموعة عدم الانحياز ومجموعة السبعة وسبعين . ولكي يكون القرار ملزماً يجب نقل المسألة إلى الجمعية العامة استناداً إلى قرار “متحدون من أجل السلام” uniting for peace resolution الأمر الذي قد يتطلب قراراً إجرائياً procedural من مجلس الأمن بأغلبية بسيطة علماً بأن الفيتو لا يمكن استعماله لتعطيل القرارات الإجرائية الأمر الذي يعني المساواة التامة بين أصوات الأعضاء الدائمين وغير الدائمين . جديرٌ بالذكر أن الاستناد إلى قرار “متحدون من أجل السلام” يتم في الحالات التي يعجز فيها مجلس الأمن عن اعتماد قرار حول مسألة تخص الأمن الدولي بسبب استخدام الفيتو من قبل أيٍ من الأعضاء الدائمين في المجلس .
ما الذي سيحدث على أرض الواقع ؟
لا بد أن القاريء يستحث الخطى نحو خاتمة هذا المقال كي يعرف ماذا سيحدث إذا تم اعتماد مشروع قرار قوي سواءً في مجلس الأمن أو في الجمعية العامة يلزم إسرائيل بتنفيذ الـوقف الفوري لإطلاق النار إضافة إلى إلزامها بتنفيذ التدابير الواردة في قرارات محكمة العدل الدولية التي صدرت يوم الجمعة الماضي والتي لا يمكن تنفيذها بدون الوقف الكامل لإطلاق النار كما قال الدكتور عون الخصاونة نائب رئيس محكمة العدل الدولية السابق والخبير في شؤون القانون الدولي ورئيس وزراء الأردن السابق.
التصريحات التي صدرت حتى الآن عن رئيس الوزراء الإسرائيلي وعن غيره من كبار المسؤولين لا تدعو للتفاؤل بأن تلك الدولة ستنفذ قرارات المحكمة ولا يعرف حتى إذا كانت ستقدم كما طلبت المحكمة تقريراً في غضون شهر حول مدى التزامها بالقرارات ، وحيث أن سجل إسرائيل حافل بتجاهلها لقرارات الشرعية الدولية فإن النتيجة لا تبشر بالخير أبداً خاصةً وهي تحظى بالدعم الكامل والغطاء السياسي والدبلوماسي من الولايات المتحدة ، القوة الأعظم والقطب الأوحد في العالم . وعليه فخلاصة القول أن قرارات محكمة العدل الدولية ستكون ذات قيمة معنوية أخلاقية ستعري كلاً من إسرائيل والولايات المتحدة والحلفاء الآخرين الداعمين لها إذا لم ينفضوا عنها ويستجيبوا لقرارات المحكمة التي تلزم الدول الأطراف في “اتفاقية منع حرب الإبادة” بضمان تنفيذ قرارات المحكمة ومعاقبة الدولة المارقة التي ترفض الانصياع لتلك القرارات .
*كاتب وباحث عراقي ودبلوماسي اممي سابق.
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر