السبت , يناير 31 2026
الرئيسية / اراء / حينما غابت الثورة عن سوريا…!

حينما غابت الثورة عن سوريا…!

 

د. لينا الطبال*
ما حدث في سوريا يوم 8 ديسمبر لا يمكن وصفه بالثورة، لأنه ببساطة لم يكن هناك ثوار.
هل ترغب في مناقشتي؟ إذن، قدم لي تعريفك للثوار: ما هي الثورة حقا؟
الثورة ليست مجرد رد فعل، بل هي عمل أخلاقي ينبع من التزام بالعدالة وبالاخلاق، وهو التزام يتطلب تقديم التضحيات. هكذا وصفها ريجيس ديبريه، الذي رأى أيضا أن الثائر أو المناضل هو الحامل لأمل جماعي، حتى وإن كان عمل بشكل فردي.
انا شخصيا اجد نفسي عاجزة عن تعريف الثورة لكن استطيع رسمها لكم… اذا أردت رسم الثورة، فلن تكون لوحة من نار وبارود، بل وجه لفتاة جميلة تعيد النقاء والسلام الى العالم، فالثورة ليست صخبا وصراعا. قد ارسمها أيضا على شكل قصة حب بين شخصين قصة حب بين شعب وأرضه…
الثورة لا يمكن حصرها ضمن اطار تاريخي أو جغرافي، فهي عابرة للأزمنة وللثقافات، تتوسع لتخفي كل الضجيج والعنف كي تزهر الحياة.
المناضل أو الثائر هو ذاكرة الثورة التي تنقل للأجيال حكايا وقصص البطولات. ان شخصية القائد الوطني عبد القادر الحسيني خير مثال على ذلك، بعد مرور 76 عاما على استشهاده، لاتزال كلماته في آذاننا شاهدة على نبوءة تاريخية مؤلمة، حين خاطب اللجنة العسكرية التابعة لجامعة الدول العربية قائلا: “التاريخ سيتهمكم بإضاعة فلسطين، وإنني سأموت في القسطل قبل أن أرى تقصيركم وتواطؤكم.”

نعم لا يمكن للتاريخ ان يغفر لكم خيانتكم.
كما يستحيل السير عكس الحتمية التاريخية، فهي من الثوابت التي لا تتغير، تفرض مسارها بقوة الواقع. والتاريخ لا يمكن أن يُكتب سوى الحقيقة. لقد خطّت صفحات التاريخ أن هذه الأرض لنا، وأن أوطاننا ستعود وان إسرائيل إلى زوال.
من الثوابت أيضا قدرة الانسان على فعل الخير، لكنه كثيرا ما يختار الشر وذلك تحت تأثير الخوف. هذا الخوف الذي وصفه “توماس هوبز” في كتابه “الليفياثان” او “الوحش” بأنه المحرك الأساسي للسلوك البشري. الخوف من الآخر قد يدفع الإنسان إلى حالة من الصراع مع ذاته والى إيذاء غيره بهدف حماية نفسه. هذا الخوف من الآخر يؤدي أحيانا إلى ارتكاب الشر ومع ذلك، يمتلك الإنسان العقل والقيم الأخلاقية التي يمكنها تهذيب غرائزه، وفقط عند تجاوز هذا الخوف، تُتاح له الفرصة لتغليب الخير على الشر.
قد يخاف الانسان ايضا من الحب… خوف الإنسان من الحب يشبه خوف الأنظمة الاستبدادية من الحرية؛ فكلاهما يخشيان التغيير الذي قد يهدد نظامه المستقر، حيث يصبح الحب فعلا ثوريا، يكسر قيود الفردية وتحول عزلته الى تواصل وانغلاقه الى انفتاح، تماما كما تخشى السلطات الثورات التي تعيد صياغة موازين القوى خارج سيطرتها.
هل هذا يعني ان بشار الأسد أيضا مصابا برهاب الحب؟ – دون ادنى شك. ولكن حينها، ما الفرق بين المناضل والديكتاتور إذا ما تساويا في هواجسهما؟؟ في النهاية، كلاهما قد يحمل خوفا داخليا يجعل الحب تهديدا، وكأنهما ينظران للعالم من نفس النقطة المظلمة، تلك التي تقيس عمق الألم بقدرتهم على إيذاء أنفسهم أولا، قبل أن ينعكس ذلك على الآخرين… دعنا نغير الموضوع ونتحدث عن شيء أكثر متعة وإثارة!
بنيامين نتنياهو مثلا مصاب برهاب السلام، ذلك الخوف الذي يدفعه إلى الهروب من أي إمكانية للعيش في عالم يعترف بالحقوق وبالمساواة. رهاب السلام يظهر في إصرار نتانياهو على الاستيطان والقتل والإبادة في غزة، وكأن وجود الآخر يشكل تهديدا لوجوده.
لكنني لا أرى أي متعة في قراءة ذلك… مهلا اذا لا يمكن لإسرائيل، أن تتحمل عبء الاحتلال والتوسع الاستراتيجي في آن معا إذ يشكل ذلك ضغطا هائلا قد يرتد عليها ويهدد وجودها. إن السعي نحو توسع لا يمكنها الحفاظ عليه يلقي عليها عبئا اضافيا على الصعيدين الداخلي والخارجي.
داخليا، تعاني إسرائيل من انقسامات سياسية واجتماعية عميقة، تتفاقم بفعل أزمات اقتصادية وضغوط ديموغرافية تجعل من تماسكها الداخلي اكثر فاكثر هشاشة. أما على الصعيد الخارجي، فهذه المحاولات لتوسيع نفوذها سيصطدم حتما بمحيط إقليمي من دول منافسة لها، الى جانب مقاومة مستمرة من قبل هذه الشعوب ستستنزف قدراتها العسكرية والسياسية وهو أمر سيرهق مواردها وسيعرض أمنها للخطر.
لكن من هو الشخص الذي يشكل الخطر الأكبر على أمن إسرائيل؟ الإجابة قد تكون مفاجئة للبعض، لكنها واضحة: بنيامين نتنياهو نفسه.
يرفض الغرب التعامل مع نتانياهو على اساس انه مجرم حرب متجاهلا بذلك مبدأ الفصل بين السلطات الذي قامت عليه دولته… هل تعرف قليلا عن ماذا اتحدث؟ هذا المبدأ وضعه الفلسوف الفرنسي “مونتسكيو” في كتابه “روح الشرائع”، يقوم على استقلال السلطات الثلاث: التنفيذية، التشريعية، والقضائية، وعدم جواز التداخل فيما بينها.
ولكن، كيف يمكن تفسير التناقض بين الالتزام بهذا المبدأ على المستوى الوطني، ورفضه عندما يتعلق الأمر بالقانون الدولي؟ كيف يمكن لرئيس جمهورية على سبيل المثال، أن يلتزم بقرارات محاكمه الوطنية، بينما يعارض قرارات محكمة دولية ساهمت دولته في إنشائها ووقعت على ميثاقها، واعترفت بصلاحياتها واختصاصاتها وأصبح لقراراتها قوة القانون الوطنية؟ – الا توافقني الرأي ان هذا تناقضا صارخا مع روح الشرائع؟
او هو مجرد نزاع على تطبيق القانون الدولي؟ – كلا، القانون ليس أداة تُستخدم بانتقائية، وارفض أن يكون خاضعا لإملاءات القوة السياسية. ومع ذلك، تسعى هذه القوة السياسية اليوم إلى منح الشرعية لمنظمات إرهابية دمّرت سوريا وأرعبت شعوبنا، محاولة إلباسها ياقة بيضاء وقناع النزاهة، بينما يباد شعب غزة تحت ذريعة الأمن.
هذه القوة السياسية هي من تشعل الانقسامات وتدمر أوطاننا تحت غطاء مسميات ثورة تتكئ على ثوار مزيفين من المرتزقة، مسيَّرين لخدمة أجندات خارجية تحقق مصالح دول أخرى على حساب شعوبنا.
في هذه الحالة ما مدى مصداقية وشرعية هكذا ثورة؟ – لاجدال في ذلك: صفر. فهي مجرد فقاعة ستتلاشى عاجلا أم آجلا، تاركة خلفها الخراب الذي جاءت به.
ان غياب قيادة وطنية موحدة تعبّر عن تطلعات الشعب يطلق يد هذه الثورة الزائفة لزعزعة الاستقرار وإعادة تشكيل الأنظمة بما يخدم مصالحها. وكل ثورة لا تستند إلى التضحيات، سرعان ما ستغرق في الفوضى والانقسام الداخلي. بل ان تدخل الأطراف الأجنبية فيها يزيد من تعقيد الأزمات بدلا من حلها. وعندما تنحسر فانها ستخلف وراءها فراغا سياسيا وأزمات طويلة الأمد..
لقد ربط القائد “عز الدين القسام” الثورة بالتضحية وجعلها شرطا أساسيا لقيامها، وهي ليست مجرد غضب عشوائي، بل عمل منظم قائم على الإيمان بالحرية والكرامة. والثائر بعرف القسام هو “إنسان مؤمن بقضيته، مستعد للتضحية بنفسه وماله دفاعا عن دينه ووطنه، يعيش من أجل تحرير أرضه وشعبه من الظلم والاستعمار”.
إن ما حدث في سوريا يوم 8 ديسمبر لا يمكن وصفه بالثورة، لأنه ببساطة لم يكن هناك ثوار.
*أستاذة جامعية، باحثة في العلاقات الدولية والقانون الدولي لحقوق الإنسان – باريس

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

شكرا جوارديولا !

رشيد بورقبة* أثار موقف المدرب الإسباني غوارديولا اعجاب العالم أمس بمدينة برشلونة وهو يدافع بشراسة …