اسيا العتروس*
جوعوهم وضيقوا من حولهم الخناق ومنعوا عنهم كل أسباب الحياة الكريمة والحق في الحرية و لما استفحل بهم الهزال والجوع والعطش وتحول الاطفال الى هياكل عظمية لا تقوى على الحراك ومات من مات وسقط من سقط مغشيا عليه خرج الجلاد يصرخ محاولا أن يواري سوءته ويجمل صورته وهو يردد في مختلف المنابر التي استطاع أن يخترقها قائلا ” لا تصدقوا أن هناك مجاعة في غزة انظروا للقوات الاسرائيلية وهي تطعم الاعداء وتسقط عليهم المساعدات الغذائية “..نستحضر كلمات غسان كنفاني عندما فضح هذه العقلية الاحتلالية الاحلالية وهو يصرخ “يسرقون رغيفك ثم يعطونك منه كسرة ثم يأمرونك أن تشكرهم يا لوقاحتهم ” ..اليوم يعيدون ارتكاب الجريمة يسرقون الارض وما عليها و يريدونك أن تشكرهم ..
تلك هي عقلية هذا الكيان الارعن الذي ينطبق عليه المثل الشعبي القائل “بأنهم يقتلون الميت ويمشون في جنازته “..نعم هكذا بدأت الة الدعاية الاسرائيلية و معها الجوقات الدعائية التي دأبت على منح كيان الاحتلال الاسرائيلي صك البراءة بعد كل جريمة يقترفها معركتها الاعلامية في فصلها الجديد لتكذيب أخبار الابادة و التجويع في غزة واعادة صياغة طهورية لا تليق بهم اطلاقا ..
بعض الاطراف العربية التي اختارت مسارالتطبيع تفاخر بدورها بأنها أسقطت على غزة التي تجوع مساعدات غذائية عبر المظلات و لو أن عملية الاغاثة بهذه الطريقة تمت لان غزة كانت ضحية كارثة طبيعية أو تعرضت لفياضانات أو سيول أو زلزال أو وباء يمنع دخولها لاكبرنا فيهم نخوتهم و شهامتهم و اعتبرنا تلك الخطوة انجاز انساني غير مسبوق ..
لا خلاف اننا لا نستهين بأي هدنة تتحقق لاهالي غزة و لا بأي كيس دقيق أوعلبة حليب أو دواء أو رغيف في زمن بلغت حرب التجويع و الابادة مرحلة التوحش و الاصرار على القتل لاجل القتل و التشفي ..الا أن الحقيقة أن خلف تلك المناطيد و المظلات التي تسقط على غزة اهانة للانسانية واهانة لاصحابها قبل أن تكون اهانة لغزة وأهلها لانهم بكل بساطة يقبلون بارضاء كيان الاحتلال و يلزمون باملاءاته و شروطه الاانسانية و يقبلون بالطرق الملتوية لاسقام المساعدات و ارسالها على رؤوس المحتاجين فيهرعون اليها و كأنهم في يوم الحشر و الحال أن لغزة منافذ و طرقات و مطار ايضا صحيح أن كل شيء مهدم في القطاع و لكن كان بالامكان الوصول الى اهالي غزة واحترام أدميتهم لولا ان كل العالم اختار طأطأة الرؤوس لهذا الكيان الارهابي و القبول بالدخول في لعبة انقاذ العصابة التي تحكمه و تجميل صورته و تطهير مصداقيته المدنسة أمام كل شعوب العالم التي خرجت للتنديد بالمحرقة غير المسبوقة و باتت تستحضر جرائم النازيين و الفاشيين لمقارنة ما يصنعه الاحتلال بغزة ..
هناك حقائق ارتبطت بحرب الابادة التي يشنها جيش الاحتلال الاسرائيلي في غزة ولا يمكن بأي حال من الاحوال الغاؤها أوالتشكيك فيها أوتجميلها مهما كانت فعالية المساحيق المستعملة التي سيكون لها مفعول عكسي يفضح كل محاولات تشويه الحقائق و تزييفها أمام الرأي العام الذي اكتسب مناعة متزايدة تمنحه القدرة على قراءة الاحداث و رفض الحرب الدعائية التي يخوضها الاحتلال .
وعندما نتحدث عن صور المساعدات الغذائية التي يسعى الاحتلال لوصفها بالانسانية لاسقاط مشاهد و صور الهياكل العظمية المحتضرة في غزة أو اخفاء أخبار الاطفال والرضع الذين يموتون جوعا في أحضان أمهات وعائلات سدت المنافذ في وجوههم ولم تتوفر لهم علبة حليب تبعد به شبح الموت عن أطفالهم فلا يمكن الا أن نستشعرالاخراج المسرحي الهزيل للتأثير على العقول و استيلابها و ترويج الرواية الاسرائيلية الزائفة بالاعتماد على عقلية الصهيونية الدينية ..
الابشع و الافظع أن قوافل الشاحنات الغذائية تقف على بعد أمتار منهم ولكنها ممنوعة عليهم وليس بامكانهم الوصول اليها لان رئيس حكومة كيان الاحتلال وفريقه الصهيوني المتطرف يرفضون ذلك و يفرضون على العالم خيارهم الاجرامي المدان من كل المنظمات الدولية الحقوقية و الانسانية التي لا تجد سبيلا الى تنفيذ قراراتها الرافضة لجريمة الابادة ..تحولت المساعدات الغذائية لاكثر من مليوني فلسطيني محاصر في غزة و منذ خرقت اسرائيل الهدنة الى مصيدة للارواح و كأن ما يواجهه الاهالي من محن يومية على وقع القصف الذي لا يتوقف على مدار الساعة حتى وجد جيش الاحتلال في توزيع المساعدات سلاحا يفتك بالاجساد المنهكة التي تتدافع للفوز بحفنة دقيق تمزج في نهاية المطاف بدماء ضحاياها ..
وحتى نكون أكثر دقة فان جريمة التجويع لم تبدأ مع تنكر الاحتلال للهدنة و لكن سبقتها كثيرا و كانت عمليات اسقاط المساعدات الاسرائيلية في بداية الحرب على غزة مرتبطة بعمليات قصف أو محاولات استهداف الاهالي فكانت جريمة أخرى تضاف لجرائم الاحتلال التي لا تتوقف ..و اليوم و مع عودة الحديث عن عمليات انزال بالمظلات للمساعدات و معها الحديث عن سماح الكيان بعبور عدد من الشاحنات فان الامر لم يخرج عن اطار مواصلة تجميل الجريمة و محاولة اصباغ طابع انساني على صورة و مصداقية كيان الاحتلال و جيشه بعد الحملات الشعبية و الرسمية و التحركات على مختلف أنحاء العالم للتنديد بجرائم الاحتلال و حرب التجويع و الابادة التي يفرضها على كل الفئات الاجتماعية في غزة
الحقيقة أيضا أنه لا يمكن بأي حال من الاحوال لصور المساعدات الغذائية التي يتم اسقاطها عبر المظلات على قطاع غزة أن تقلل من مخاطر المجاعة المنتشرة في غزة و لا يمكن بأي حال من الاحوال أن تبيض صورة كيان الاحتلال و حلفاءه وتمنح مجرم الحرب المطلوب للجنائية الدولية صك البراءة…ما يجري في غزة أوهام بالاغاثة وليست اغاثة التي يجب أن تبدأ من ايقاف الابادة و التجويع و فتح المعابر وانهاء ظلم الاحتلال .. وطالما استمر ذلك واستمر منع الصحفيين الاجانب من دخول غزة و فضح ما يسعى الاحتلال لازالته من ادلة و براهين حول الابادة لاخفاء ذلك و التسترعليه فان اسقاط المساعدات بالبارشوط أو المظلات و التفاخر بذلك عار على أصحابه و عار على الانسانية التي تحاول التستر على عجزها و قبحها ..لقد اختزل وزير وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس المشهد في غزة بالقول إن المجاعة الحاصلة في قطاع غزة نتيجة الحصار الإسرائيلي الخانق، أمر يدعو للخجل”…
*كاتبة وصحفية تونسية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر