الأربعاء , مارس 18 2026
الرئيسية / اراء / الهويات السورية بعد الحرب..!

الهويات السورية بعد الحرب..!

د. حسن مرهج*

الحرب لم تغيّر الهويات السورية بل كشفتها، وكأنها رفعت السقف عن بيت مكتظ، فانكشفت الأعمدة التي كنا نتظاهر بعدم رؤيتها. لم نكن شعباً واحداً بمعنى سياسي أو نفسي، كنّا جماعات تخجل من أسمائها، وتخاف من ماضيها، وتحبّ أن تعيش في ظلّ هوية رسمية مصطنعة لا تُشبه أحدا.
الحرب لم تُنتج الانقسام؛ الانقسام كان هنا دائماً، مختبئاً في اللغة اليومية، في التحيّزات الصغيرة، في النكات، في تراتبية “الهوية العليا” و”الهوية الدنيا”، في خوفنا الأعمى من بعضنا، لكن النظام المركزي كان يتقن لعبة إسكات الأصوات، فاحتفظ بالهويات في حالة كمون حتى انفجرت.اليوم، نعيش لحظة الحقيقة؛ الهويات التي حاولنا دفنها عادت، لا كاختلاف ثقافي، بل كشرط للنجاة، وهنا يمكن أن نقول ما يلي:
السوريون لم يعودوا قادرين على العيش داخل وهم “نحن”. “نحن الشعب السوري” عبارة مريحة، لكنها فارغة. الحرب جعلت كل جماعة تسأل: من نحن حقاً؟ ومن يخاف ممن؟ ومن يقتل من؟ صار تعريف الهوية فعلَ دفاع قبل أن يكون فعلَ انتماء.
في سوريا ما بعد الحرب، لم يعد السؤال: هل لدينا هويات متعددة؟ بل: كيف نمنع هذه الهويات من التهام بعضها؟
الدولة المركزية كانت دائماً مشروع إزالة هوية، قبل أن تكون مشروع دولة كانت الدولة تقول: “ذوبوا كي نحكمكم”. وكان المجتمع يتصرف كأنه مصاب برهاب اعتراف متبادل. هكذا انهار المركز: ليس لأنه ضعيف، بل لأنه مبني على إنكار الواقع.
الدولة التي تنكر وجود الهويات، تتحول إلى جهاز أمن… ثم إلى جهاز حرب… ثم إلى أطلال.
الهويات التي لا يُعترف بها، تتحول إلى هويات مسلحة. هذه قاعدة اجتماعية بديهية، لكن السوريين تعلّموها بالطريقة الأكثر فداحة. كلما حاولت أن تطمس هوية، ستعود في شكل أكثر صلابة، وربما أكثر قسوة. الهويات التي لا تُحكى… تُقاتل. والهويات التي يُخاف منها… تُصنع لها أسوار.
لهذا لم تعد حرب سوريا حربا على السلطة فقط، بل حربا على الحق في الوجود.
الفيدرالية ليست مشروعاً سياسياً، بل مشروع نجاة من أنفسنا. في بلد يعجز عن إنتاج “مشترك وطني”، تصبح الفيدرالية شكلا من أشكال التواضع: اعتراف بأننا لا نستطيع العيش فوق الخريطة ذاتها إلا إذا امتلك كل مكوّن مساحته التي يتنفس فيها.
ليست تقسيما، ولا انتقاما من المركز… بل اعترافا فلسفيا بأن “الوحدة القسرية” أكبر كذبة في حياتنا السياسية.
الفيدرالية هي محاولة لجعل الاختلاف معيشا، لا ساحة حرب. هي تحويل الهوية من سلاح إلى مؤسسة.
ماذا يبقى لنا إذاً؟
إذا أردنا مستقبلاً، علينا أن نبدأ من الصفر: من الاعتراف بأننا لسنا عائلة واحدة، ولسنا أمة مكتملة، ولسنا حتى مجتمعا متماسكا. نحن فسيفساء هشّة، ولن تستقر إلا إذا توقّفنا عن محاولة صهرها.
الوحدة ليست قدرا. الوحدة مشروع، ولا ينجح بالقوة، بل بالثقة. والثقة لا تولد في ظل الخوف، بل في ظل الاعتراف.
خلاصة سريعة للقارئ الذي تعب من النظريات.
الهويات السورية بعد الحرب ليست مشكلة يجب حلها، بل حقيقة يجب التعامل معها. وكل محاولة لطمسها ستعيد إنتاج الحرب، أما الاعتراف بها، بعمقها وتاريخها وخوفها، فهو الطريق الوحيد لتفادي حرب أخرى.
الهويات لا تنتظر الدولة.
إنها تنتظر الشجاعة:
الشجاعة في أن نرى ما كنا نهرب منه دائمًا.
*كاتب وأكاديمي ومحاضر خبير الشؤون السورية والشرق أوسطية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

وهم استبدال العدو العربي بالايراني!

د. معن علي المقابلة* في أكثر من مناسبة يكرر بنيامين نتنياهو أن الدول العربية لم …