الأربعاء , فبراير 11 2026
الرئيسية / اراء / ما الذي تقوله الجزائر للإمارات؟

ما الذي تقوله الجزائر للإمارات؟

 

سارة محمد مرزوڨي*
في الشرق الأوسط، لا تُقاس الرسائل السياسية بما يُقال علنًا فقط، بل بما يُغلق ويُعلّق ويُلغى بصمت. تعليق الجزائر لاتفاقيات التعاون الجوي مع الإمارات، بعد اتهام رئاسي غير مسبوق بالتدخل في الشأن الداخلي الجزائري، لم يكن قرارًا تقنيًا، بل إشارة سيادية محسوبة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
الجزائر، التي لطالما فضّلت إدارة خلافاتها بعيدًا عن الأضواء، اختارت هذه المرّة كسر تقليدها الدبلوماسي. فالتصعيد اللفظي، متبوعًا بإجراء عملي، يعكس قناعة متزايدة بأن النفوذ الإماراتي في المنطقة لم يعد محايدًا، بل بات، في نظر الجزائر، عامل اضطراب مباشر يمسّ استقرار الدول ومساراتها السياسية الداخلية.

هذا التحول الجزائري لا يمكن فصله عن متغير إقليمي لافت: التقارب المتسارع بين الجزائر والسعودية. فبعد سنوات من تباين المقاربات، تبدو الرياض اليوم أكثر حذرًا تجاه سياسات أبوظبي التدخلية، وأكثر وعيًا بكلفة الرهان على الفاعلين غير الدولتيين والعسكريين في دول تعيش هشاشة سياسية. هذا التقاطع الجزائري–السعودي لا يقوم على تحالف معلن، بل على إدراك مشترك بأن استقرار الدول بات أولوية تتقدّم على هندسة النفوذ.
في ليبيا، تظهر خطوط الصدع بوضوح أكبر. فالجزائر تنظر إلى خليفة حفتر—المدعوم سياسيًا وعسكريًا من الإمارات—كعائق بنيوي أمام أي تسوية سياسية جامعة، وكطرف يحمل عداءً صريحًا للدور الجزائري في الملف الليبي. وقد زاد هذا العداء حدّة بعد الجدل الذي رافق مقتل سيف الإسلام القذافي، وهو حدث، بغضّ النظر عن الرواية المعتمدة، خلّف أثرًا سياسيًا عميقًا، وأعاد طرح أسئلة حول استخدام التصفية الجسدية كأداة لإغلاق المسارات السياسية المنافسة.
من هذا المنظور، ترى الجزائر أن حفتر لا يتحرّك كفاعل ليبي مستقل، بل كامتداد لمشروع إقليمي تقوده أبوظبي، يقوم على تفكيك مراكز التوازن، وإقصاء أي حلول لا تمر عبر القوة العسكرية. وهو ما يفسّر، في القراءة الجزائرية، تكرار محاولات تحجيم دورها الإقليمي، سواء في ليبيا أو في محيطها المباشر.
قرار تعليق التعاون الجوي، إذًا، يتجاوز الخلاف الثنائي. إنه إعلان غير صاخب عن إعادة رسم خطوط حمراء، ورسالة مفادها أن الجزائر لم تعد مستعدة لفصل علاقاتها الاقتصادية والتقنية عن سلوك شركائها السياسي. في منطقة اعتادت على النفوذ بلا مساءلة، تقول الجزائر اليوم إن السيادة لا تُدار من خلف الكواليس، وإن السماء—أحيانًا—أبلغ من البيانات.
*كاتبة جزائرية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

أمريكا بصدد إقامة نظام سلفي عالمي..!

فؤاد البطانية* ما زال حكام النظام العربي يتمسكون بثوابتهم في اغتصاب سلطة الشعب واحتكارها ووضع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *