د. عبدالله محمد القضاه*
في لحظة إقليمية مشحونة بالتحولات الجيوسياسية وإعادة تشكّل موازين القوى، تبرز التفاهمات اللبنانية–الإسرائيلية كأحد أكثر الملفات تعقيداً في الشرق الأوسط. ورغم الزخم الدبلوماسي الذي قادته واشنطن، والذي توج باتفاق نوفمبر 2024، إلا أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم يتجاوز مجرد التوقيع التقني: هل نحن أمام تأسيس لسلام مستدام، أم أننا بصدد صياغة متطورة لـ “إدارة الصراع” تحت غطاء دولي؟
تشير المعطيات الميدانية والتقارير الاستراتيجية الصادرة عن مراكز الأبحاث الدولية، مثل “مجموعة الأزمات الدولية” ومعهد دراسات الأمن القومي (INSS) ، إلى أن ما تم إنجازه حتى الآن يقع ضمن دائرة “ الترتيبات الأمنية الهشة . “فهذه التفاهمات، التي استندت إلى القرار الأممي 1701، واجهت اختبارات قاسية في أوائل هذا العام. فقد أدى التباين في تفسير “الخريطة الملحقة” بالاتفاق، والمدى الجغرافي لنزع السلاح، إلى تمديد فترات الانسحاب وتعميق فجوة الثقة بين الأطراف.
فبينما يطالب لبنان بوقف كامل للانتهاكات الجوية والبرية كشرط للاستقرار، تتمسك إسرائيل بحق التدخل الوقائي والطلعات الاستطلاعية لضمان عدم إعادة التسلح. كما يركز لبنان على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي المحتلة، في حين ؛ تطالب إسرائيل بنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية حتى شمال الليطاني. وعلى الصعيد الدولي، يراهن لبنان على اليونيفيل والوساطة الفرنسية-الأمريكية لحماية الاتفاق، بينما تعتمد إسرائيل على “الرسائل الجانبية” الأمريكية التي تمنحها غطاءً للرد على الخروقات.
ارتباط المسارات: الظل الإيراني والحسابات الأمريكية
لا يمكن عزل المسار اللبناني عن التفاعلات الأوسع في المنطقة، وتحديداً العلاقة المتوترة بين واشنطن وطهران. فرغم المحاولات الأمريكية لتفكيك الأزمات، يظل الواقع السياسي يشير إلى تشابك عضوي غير معلن. فإيران، التي تعتبر لبنان ساحة نفوذ استراتيجي، تدرك أن أي تهدئة هناك يجب أن تخدم موقعها الإقليمي الأشمل، بينما تسعى الإدارة الأمريكية إلى تحييد الجبهة الشمالية كخطوة استباقية لأي ترتيبات تتعلق بالملف النووي أو النفوذ الإقليمي.
إن الاتفاق المحتمل في لبنان قد يتأثر بالديناميكيات الإيرانية–الأمريكية، لكنه لن يكون نتيجة تلقائية لها؛ بل هو نتاج تقاطع مصالح مؤقت يهدف إلى منع الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة لا يرغب فيها أحد حالياً.
العقيدة الأمنية الإسرائيلية: الالتزام المشروط
تؤكد تجارب العقود الماضية أن إسرائيل تتعامل مع الاتفاقات من زاوية أمنية صرفة. فالسلام في العقيدة العسكرية الإسرائيلية ليس غاية نهائية، بل هو أداة وظيفية لضمان أمن المستوطنات الشمالية. وهذا ما يفسر إصرار تل أبيب على الاحتفاظ بـ “حرية الحركة” في الأجواء اللبنانية، وهو ما يجعل أي التزام إسرائيلي مرهوناً بسلوك الطرف الآخر وقدرة الجيش اللبناني على فرض سيطرته الكاملة، لا بنصوص الاتفاق المكتوبة.
من الحل النهائي إلى الاستقرار الهش
إن الحديث عن سلام شامل في ظل المعطيات الحالية يبدو طموحاً يتجاوز الواقع. فالمشهد الإقليمي المثقل بملفات غزة، والبرنامج النووي الإيراني، وصعود الفاعلين غير الدوليين، يفرض واقعاً جديداً يتسم بـ “إدارة النزاع وتقليل كلفته” بدلاً من حله جذرياً.
التاريخ يقدم درساً بليغاً؛ فالاتفاقات الكبرى غالباً ما تنهار تحت وطأة التعقيدات السياسية، بينما تنجح التفاهمات التقنية المحدودة (مثل اتفاق ترسيم الحدود البحرية 2022 ) في تحقيق اختراقات مرحلية. وعليه، فإن التحدي الحقيقي ليس في توقيع الاتفاق، بل في قدرته على الصمود أمام أول اختبار ميداني حقيقي في بيئة إقليمية لا تزال تؤمن بلغة القوة أكثر من لغة الدبلوماسية.
*كاتب سياسي اردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر