الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / النفاق الغربي

النفاق الغربي

عميرة أيسر*
يبدو أن الدول الغربية التي ترفع شعارات الليبرالية الاقتصادية والحرية الانسانية، واحترام حقوق الإنسان والديمقراطية التشاركية، وتدعو لضرورة احترام الشرعية الدولية، وقوانين الأمم المتحدة، ومحاربة الإرهاب الدولي ، وهي التي أيدت وبالإجماع الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق، ودمرت ليبيا وسوريا واليمن، تحت هذا البند وقامت بدعم الجماعات الإرهابية المسلحة في تلك الدول بالمال والسلاح والتدريب، وفتحت لهم بلدانها ومنحتهم اللجوء السّياسي، فيما صنفت تلك المنظمات الوطنية المسلحة وخاصة الجهادية منها بالإرهابية، وقطعت عنها مصادر التمويل ووضعت قياداتها على لوائح الإرهاب الدولي، وأصدر القضاء فيها مذكرات جلب وإحضار ضدّ العديد من قياداتها لمجرد الشك في تورطهم في التخطيط وتنفيذ لعمليات تسميها بالإرهابية، نفذتها هذه الفصائل المقاومة ضدّ الجيش الاسرائيلي في فلسطين المحتلة، أوضدّ القواعد و القوات الأمريكية في العراق وسوريا وأفغانستان.
قد ضربت بكل تلك اللوائح والقوانين والقواعد التي حاولت فرضها على الدول الضعيفة والمتخلفة عرض الحائط، وأثبتت بأنها تتعامل بسياسة الكيل بمكيالين وتطبق منطق النفاق الأخلاقي والاجتماعي، عندما يتعلق الأمر بالأوروبيين، فتلك الدول التي لطالما دعت الدول الأخرى التي لا تنتمي للمنظومة الغربية الرأسمالية لاحترام حرية الإعلام، وعدم التضييق على الصحفيين هي نفسها التي سارعت لحظر وسائل الإعلام الروسية كسبوتنيك و RT من البث من دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا وكندا وغيرها، وقامت بإغلاق مكاتبها وطرد العاملين بها، وهو ما رأى فيه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو محاولة من الغرب لكي لا يكتشف الأمريكيون والأوروبيون الحقيقة وقال في هذا الصدد ” مما يخافون ؟ في ضوء اعتقادهم أنهم على حق، وأن لديهم القوة، فما الذي يخشونه؟ يخافون أن المزيد من الأمريكيين والأوروبيين سيكتشفون الحقيقة من خلال RTو Sputnikفهم يخشون ذلك، إنهم ضعفاء لأنهم يعلمون أن الرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا يبني رأيه النقدي ( بناء على الوقائع). مثلما ذكر موقع RT، بتاريخ 3مارس/أذار 2022م، في مقال بعنوان ( مادورو يكشف سبب حظر الدول الغربية ل “RT” و” Sputnik”).
بالإضافة إلى أن هاته الحرب والتي تتحمل فيها الدولة الأوكرانية الجزء الأكبر من المسؤولية كشفت مدى الخداع الذي تعرض له رئيسها زلينسكي الذي وثق بوعود حلف الناتو والدول الغربية ودول الاتحاد الأوروبي التي رفضت طلب أوكرانيا للانضمام إليها، و قدموا له وعوداً وتطمينات بأن حلف الناتو سيخوض حرباً ضدّ روسيا للدفاع عن العاصمة الأوكرانية كييف أن اقتضى الأمر في إطار استراتيجية الناتو لحماية حلفاءه، ولكن خذلوه في نهاية المطاف واكتفوا بإصدار بيانات الشجب والاستنكار وفرضوا عقوبات اقتصادية على روسيا، وقدموا مساعدات اقتصادية وعسكرية للأوكرانيين دون خوض معركة واحدة للدفاع عنهم.
واعتبروا تقديم الدعم المالي والانساني واجباً على كل الدول الغربية والأوروبية التي تحمل قيماً انسانية مشتركة وتنتمي لحضارة مسيحية واحدة، وذلك لمنع سقوطها بين براثن الدب الروسي، وهذا تمهيداً لتأسيس منطق السيادة الاستراتيجية الأوروبية، وفي هذا الإطار وافق البرلمان الأوروبي باقتراح من المفوضية الأوروبية على تقديم دعم مالي جديد لأوكرانيا بمبلغ 1.2 مليار دولار مع 600 مليون يورو جاهزة للإرسال على الفور، لتوفير الدعم السريع في حالة الأزمات الحادة، وتعزيز قدرة البلد على الصمود، وفق ما جاء في بيانه. مثلما ذكر موقع الجزيرة، بتاريخ 26فيفري/شباط 2022م في مقال بعنوان ( المفوضية الأوروبية للجزيرة نت، صندوق الدفاع الأوروبي لن يساعد أوكرانيا ضد الهجوم الروسي).
بينما قاموا بفرض عقوبات مالية واقتصادية على الدول والمنظمات التي تدعم حركات المقاومة و صنفوها ضمن محور الشر كإيران وسوريا، لأن الذين يقتلون بطائرات حلف الناتو في العديد من الدول العربية والإسلامية ليسوا أوروبيين، أو أولئك الذي سقطوا في فلسطين وسوريا ولبنان بصواريخ العدو الصهيوني الذي ارتكب طوال سنوات مجازر بشعة في هاته الدول، دون أن تقوم هاته الدول الغربية بإصدار بيانات تنديد واستنكار وشجب وهي التي لطالما ادعت ولا تزال بأنها تدافع عن حقوق الإنسان، وتقيم فضلاً عن ذلك شراكة استراتيجية مع هذا الكيان المجرم وتقدم له دعماً سنوياً يقدر بمليارات الدولارات.
وهي نفسها تلك الدول التي تدعوا المتطوعين من مختلف دول العالم لحمل السلاح والدفاع عما تسميه بالسلطة الشرعية المنتخبة في أوكرانيا، بينما تدعم المجاميع الإرهابية لإسقاط النظام السوري، وتؤيد قصف الجيش الأوكراني لمواقع الانفصاليين في إقليم دونباس وتراه عملاً مشروعاً للحفاظ على الوحدة الجغرافية للأراضي الأوكرانية، بينما تصف من يدافعون عن أرضهم في اليمن مثلاً ضد الغزو الأجنبي بالإرهابيين، وتطلق على ما يقوم به الجيش السوري للدفاع عن وحدة سوريا الترابية وعدم تفككها وانهيارها، وتحولها بالتالي لدولة فاشلة، على غرار الصومال وليبيا، بإرهاب نظام دموي يقتل شعبه المسالم الذي يطالب بالحرية والمساواة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
و المفارقات الغريبة لم تقف عند هذا الحد بل تخطتها للحديث عن مدى نظافة وثقافة وتحظر اللاجئين الأوكرانيين المرحب بهم في كل دول الاتحاد الأوروبي مقارنة بغيرهم القادمين من دول الحروب والكوارث والأزمات، والذين يراهم قادة الغرب وزعماءه إرهابيين محتملين، أو طالبي لجوء كانوا متهمين بارتكاب أعمال إرهابية في بلدانهم، وهذا ما أشار إليه رئيس الوزراء البلغاري كيريل بيتكوف الذي قال في تصريح إعلامي: بأن اللاجئين الأوكرانيين ليسوا من اللاجئين الذين اعتدنا عليهم، لذلك نرحب بهم هؤلاء أوروبيون أذكياء ومتعلمون وليسوا أشخاصاً لم نكن متأكدين من هويتهم أو لديهم ماض غير واضح، والذين يمكن أن يكونوا حتى إرهابيين. مثلما ذكر موقع السفير، بتاريخ 1مارس/أذار 2022م في مقتل بعنوان ( عنصرية و مسيئة تعليق رئيس وزراء بلغاريا “كيريل بيتكوف” حول أزمة اللاجئين الاوكرانيين يثير جدلاً على مواقع التواصل _ روسيا -أوكرانيا).
فهذه الحرب وبالرغم من أنها لا تزال في بدايتها إلا أنها كشفت حجم التلاعب والعنصرية والنفاق الذي لا يزال متأصلاً في نفوس الكثير من قيادات بل حتى شعوب القارة العجوز، التي لا تهمها الدماء التي تسيل وبغزارة في العديد من الدول خارجها، بما في تلك التي تقع في الشرق الأوسط أو شمال أفريقيا، ما دام أن الضحايا ليسوا أوروبيين ولا يمتلكون بشرة بيضاء وعيوناً زرقاء، ولا ينتمون إلى الحضارة الأوروبية الغربية، فهذه الدول والتي لها تاريخ حافل في القتل والاجرام والاستعمار كفرنسا وبريطانيا وأمريكا، تريد أن تعطي غيرها دروساً في التعايش السلمي والإنسانية وتقبل الآخر، بينما كل تلك الأقنعة والشعارات البراقة تصبح بلا قيمة عندما يتعلق الأمر بسلامة مواطني الدول الأوروبية وأمن دولهم.
*كاتب جزائري

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التدرّج اليمني في مسار المواجهة!

محمد محسن الجوهري* تُقدَّم المواجهة المقبلة بين اليمن والكيان الصهيوني بوصفها محطة فاصلة في مسار …