الثلاثاء , مارس 24 2026
الرئيسية / اراء / الجزائر والزعامة الاقليمية الجديدة

الجزائر والزعامة الاقليمية الجديدة

ياسمين لرجان*
تعتبر التحولات الدولية لها تأثير كبير على الساحة الدولية و الاقليمية و الدول التي تدور في فلك القوى العظمى، والتي رأت الدول النامية في هذا التحول فرصة لتنهض بدورها الاقليمي و تصبح الفاعل الرئيس في منطقتها ، منها الجزائر حليفة روسيا الاولى و التي يلحظ على حركتها الدبلوماسية التفاعل والتوجه نحو افريقيا وعودتها القوية بعد غياب طويل منذ عهد الرئيس السابق، وقد برهنت الجزائر ضرورة وجودها في القارة الافريقية خصوصا في المساعي لاخراج الكيان الصهيوني من الاتحاد الافريقي ومنعه من الاستثمار في مشاكل القارة لغرز أنيابه فيها. ومن زمن غير بعيد شكلت الجزائر أكبر تكتل داخل الاتحاد الافريقي سمي بـ “الاربعة الكبار” والذي يتشكل من الجزائر، جنوب افريقيا ، نيجيريا، وايثيوبيا. هذه الدول التي تعتبر اكبر الاقتصاديات الافريقية، فماهي الغاية من تشكيل مثل هذا تكتل في ظل الظروف الدولية الراهنة؟.
عانت القارة الافريقية من شتى انواع الاحتلالات و كان لاستقلال دولها وقت لم يكن بالبعيد محاولة بعده الخروج من التبعية له والنهوض باقتصادياتها لثراء هذه الدول بالمواد الاولية الاساسية كالنفط و الغاز والذهب و اليورانيوم….. والتي شكلت بالاساس لاطماع لاحتلالها .
سعت بعدها بسنوات لتظافر جهودها القارية لبناء اتحاد يشبه الاتحاد الاوروبي الذي اظهره نجاحه وسعت للسير على خطاه ضمن اتفاقية أبوجا 1991 المؤسسة لفكرة التكامل والتكتل الاقتصادي الافريقي، والتي جاءت بعدها بالاتحاد الافريقي سنة 2002 خلفا لمنظمة الوحدة الافريقية، وكان هدفه الأساسي تشجيع التكتل الاقتصادي والنهوض بالتنمية الافريقية .
رغم الوجود الفعلي لمؤسسات الاتحاد الافريقي، إلا أنه لم تكتمل بعد مراحل التكامل التي وضعها الاتحاد ضمن استراتيجية التي برمجها، وهذا راجع لعدة أسباب يكمن اهمها في الازمات التي عرفتها دول القارة خاصة الانقلابات والارهاب وظاهرة الهجرة غير الشرعية… والتي كانت اسبابها أزمات داخلية كان على دولها الالتفاف حولها أولا والانصراف بالتفكير المسائل العليا للبلاد. كذلك التدخلات الأجنبية التي عانت منها بعض الدول الافريقية خاصة من مستعمراتها السابقة وفي الاونة الأخيرة محاولة التدخل الصهيوني فيها.
يلاحظ أن تاريخ انشاء الاتحاد الافريقي بالنسبة للجزائر فرصة كبيرة للانخراط للساحة الدولية بعد العزلة التي أحذتها على عاتقها بعد سنوات الحرب على الإرهاب، التوجه نحو سياسة خارجية موحدة مع الدول الشقيقة حيث كان من أبرز محطات السياسة الخارجية الجزائرية في الاتحاد الافريقي حول محاربة الارهاب في منطقة الساحل خاصة والاستفادة من خبرتها التي استمدتها من سنوات العشرية السوداء و قدراتها العسكرية، إذ قدمت مقاربة أمنية لحل أزمة الارهاب في الساحل الافريقي سنة 2009 بقيادة جيوشها لمحاربة الجماعات الاسلامية في نيجيريا مع مجموعة من الدول الأخرى وذلك لقوة جيشها وترساناتها العسكرية والمالية لتمويل هذه المقاربة الأمنية الجديدة في الساحل الافريقي قبل أن تختفي ويتراجع دورها فيما بعد، بعد ثورات الربيع العربي وانتكاسة رئيس الجمهورية حينذاك والتي اضطرت لتلتف الى أوضاعها الداخلية ومحاربة الارهاب على حدودها وردع محاولات التدخل الاجنبي وردع انتشار حمى ما يسمى بثورات الربيع العربي.
بعد السبات الذي عرفته السياسة الخارجية نراها الان تتحرك وفق معطيات جديدة و أطماح تمثلت في الريادة الاقليمية و القارية ، نراها الآن تنشط بشكل غير مسبوق في افريقيا وربما كانت الظروف الدولية مساعدة على الدور الجديد التي تضطلع به الجزائر حاليا .
فبعد أزمة اوكرانيا وإلتفاف الدول الكبرى نحوها وانشغالها بها خاصة الدول الاوروبية التي كانت العقبة الاساسية نحو تطور القارة، نشطت الحركة الدبلوماسية الجزائرية قاريا و شوهد لها انجازها الكبير بطرد الكيان الصهيوني من القارة بعد جولات قام بها وزير خارجيتها لاقناع دول الاتحاد الافريقي بالتصويت ضد قرار ضمه هذا الأخير الذي جاء بصفة فردية .
أظهرت الجزائر نيتها الحقيقية للنهوض بالتنمية الافريقية وابراز ضرورة تواجدها كدولة محورية هناك بعد الأدوار التي قامت بها لحل النزاعات الافريقية بطريقة سلمية ومحاولة التوصل للحلول التي ترضي أطرافها والتي عرفت بعقلانية صناع قراراها ومبادئ سياستها الخارجية التي تنفي أي محاولة للتدخل في شؤون الدول الأخرى وأكدت عليه في أبرز محافلها الدولية، وكان لاقتراحها الاخير في 27 من فبراير 2022 الصدى الكبير في القارة الذي لاقى ترحيبا كبيرا وأملا لدى بعض الدول، وهو اقتراح الجزائر بتشكيل تكتل الاربعة الكبار الذي يقود القارة بفضل جهود دوله (الجزائر، نيجيريا، شمال إفريقيا و ايثيوبيا) و التي تمثل أكبر اقتصاديات القارة و في ظل النزاعات التي تعاني منها المنطقة فإنه لا بد من تكتل يجمع هذه الدول.
فسياسيا، أظهر ضعف أجهزة الاتحاد الافريقي خاصة بعد حادثة محاولة ضم اسرائيل كرقيب، ومحاولة انشاء مثل هكذا تكتل يضعف من سلطة المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “الاكواس”، التي اتضح بعد الانسحاب الفرنسي، وحصارها لدولة مالي أنها تخدم أجندات أخرى خارجة عن إرادة القارة وطموحاتها، وتذهب في عديد المرات إلى أن تكون ضد توجه “أفريقيا الشعوب”.
وأمنيا محاولة الدفع بالدول الافريقية نحو بر الأمان، والتي عانت دوله من عدة نزاعات طاحنة و مظاهر الجريمة المنظمة التي أثرت على جميع دول القارة و بهذا تكتل يمكن السيطرة على هذه النزاعات حين يكون القرار في يد هذه الدول حين ترى مصالحها المشتركة بنظرة من زاوية واحدة .
لدى الجزائر قناعة تامة أن الملفات الافريقية يجب أن تعالج ضمن دول المنطقة وأن لا تسمح بالدول الأجنبية لحد التدخل فيها خاصة الملفات الكبرى كسد النهضة، الصحراء الغربية و الأزمة الليبية والتشجيع على التكامل القاري بدلا من الاستنجاد بالدول الأجنبية لحل مشاكل القارة والخروج من التبعية لها والسيادة الكاملة على أراضي دولها خاصة السيادة على الموارد .
في الأخير، إن مثل هذه المبادرة من الجزائر دليل أكيد على التوجهات الجديدة للبلد والأولويات التي تعطيها أهمية و تأكيد دورها على الساحة الاقليمية والقارية وتأكيد على اعطاء الجزائر أهمية لانتمائها الافريقي والرفع بإفريقيا نحو عجلة التنمية بعيدا عن الدول الأجنبية و استغلال مقدراتها السياسية والاقتصادية للمساعدة على ذلك، وهذه المبادرة قد تكون فعلا المحرك الأساسي نحو اكتمال الاندماج الافريقي ليصبح بمصاف الاتحاد الأوروبي الذي بدأ من اتحاد الماني- فرنسي وانتهى ليصبح اتحاد اوروبي.
*كاتبة جزائرية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل تستطيع إيران حرمان الصهيونيَّ من أهم أدوات هيمنته الإقليمية؟!

د. حسان المالكي* إن إتفاقيات الغاز الموقعة بين الكيان الصهيوني وكل من الأردن ومصر تشكل …