د/ عبد الحميد فجر سلوم*
نحتارُ في الأمر أحيانا، بين خطابٍ يؤكِّدُ دوما أنه تم إحباط كافة مخططات إسرائيل التوسعية والعدوانية بالمنطقة، وبين حقيقةِ ما نراهُ على أرض الواقع من أحداث ومُجريات للأمور..
تتجاذبُ زعامات الأحزاب السياسية الإسرائيلية مع بعضٍ، لأسبابٍ معروفةٍ، وهي المُزايدات على بعضهم بعضا بهدفِ كسب الرأي العام، وزيادة الشعبية لكلِّ حزبٍ كي يكون الفائز الأكبر بأي انتخابات، فيتراشقون الاتهامات ويُبالغون في التهديدات لأمنِ (إسرائيل) ويتظاهرون بالمسكَنة والضعف لِكسبِ ودِّ الغرب أكثر، وكلٍّ يدّعي أنه أحرص وأقدر من الآخر على حماية أمن إسرائيل من الأخطار المُحيطةِ والمُحدقةِ بها.. ونحنُ نُصدِّق.. مع إدراكنا أن إسرائيل هي من تُهدِّد الجميع، وتعتدي على الجميع، وليس العكس..
فهل نحنُ اليوم في الزمن السعيد أم في الزمن الرديء؟
أُمنياتنا جميعا، هي إحباط مخططات إسرائيل، بل حُلُمنا الكبير منذُ وعينا على الدنيا، هو في ضربِ مخططاتها، وهزيمتها، واستعادة كافة الأراضي التي تحتلها، في فلسطين وسورية ولبنان.. واستعادة القُدس والأقصى.. بل وفلسطين كلها، إن استطعنا إلى ذلك سبيلا..
ولكن للأسف، التمنيات شيء، وما نراهُ شيءٌ آخرٌ.. فالروح العدوانية والتوسعية الإسرائيلية ما زالت هي هي، بل زادت غطرسةٌ واستعلاء كما لاحظنا في الآونة الأخيرة، مع زيادة العرب ضعفا وتشرذما.. سواء في القُدس، أم في الأقصى، أم في الضفة الغربية، أم في غزّة، أم في الأجواء والأراضي السورية، وحتى بالاغتيالات داخل إيران، وفي قلب العاصمة طهران.. بل المُزعِج أكثر الانقسام داخل الصف الفلسطيني.. فحينما يقومُ مقاومٌ فلسطيني بطعنِ مُعتدٍ إسرائيلي، تخرجُ اصوات الاستنكار من حكومة رام الله، بينما تُبارَكُ حكومة غزّة.. فحتى على طبيعة المقاومة، غير متّفقين..
**
مخططات إسرائيل، ومن خلفها الصهيونية العالمية في تفتيت المنطقة، لم تتغيّر.. وهذا ما اشتغلوا عليه طويلا.. وخاصة ضدّ سورية التي تُشكِّلُ فلسطين خاصرتها الجنوبية، والقسم الجنوبي من سورية التاريخية الكُبرى..
فمن المُسلّم بهِ أن إسرائيل مصلحتها الأولى هي بتفتيت سورية، وهذا حُلُمٌ صهيونيٌ قديمٌ، طالما تحدّثوا عنهُ مِرارا، وهذا ما كتبتُ عنهُ بشكلٍ موثّقٍ في مقالٍ قديمٍ منذ العام 2017 بعنوان (الطائفية هي سلاحُ الغرب الأمضى لتفتيتِ الشرق الأوسط)..
ففي 14 أيار 1948، يوم الاعلان عن قيام دولة إسرائيل، أعلن دافيد بن غوريون، أن أمْن إسرائيل يتحقق عندما تكون إسرائيل أقوى عسكرياً من أي تحالُف عربي مُحتمل.. (هذا حينما كانت هناك خشية من تحالُفات عربية ضد إسرائيل، وقبل أن تنقلب الصورة لِتُصبِح تحالفات عربية مع إسرائيل)..
وكانت هذه النظرية عقيدةَ إسرائيل الأمنية لعقودٍ عديدة.. إلا أن العديد من الاستراتيجيين الصهاينة رأوا لاحقا ان هذه النظرية لا تكفي وحدها لضمان أمن إسرائيل، وأن ضمان هذا الأمن، واستقرار إسرائيل وقوّتها وتماسكها مرهونٌ بانهيار المجتمعات العربية وضعفها وتمزّقها.. في شباط 2011 نشر الكاتب الامريكي ” مايكل كولينز بايبر” ــ ، وهو صاحب كتاب (كَهَنَةُ الحرب الكبار) Michael Collins Piper The Great Priests of War نشر مقالا في صحيفة American Free Press الأسبوعية، واشارَ فيهِ إلى بحثٍ كانت قد نشرتهُ الدورية التي تصدر عن المنظمة الصهيونية العالمية الشهيرة المعروفة kivonimبإسمِ كيفونيم كتبهُ الصحفي الإسرائيلي (أوديد ينون) Oded Yinon المُرتبط بالخارجية الاسرائيلية، ودعا فيه بوضوح إلى نشرِ الفوضى في العالم العربي، وإحداثِ انقسام في الدول العربية من الداخل إلى درجة تصل إلى “بلقَنَة” مختلف الجمهوريات العربية وتجزئتها إلى جيوب طائفية..
ــ وهذا كان تردادٌ لذات الأجندة التي طرحها البرفسور الاسرائيلي الشهير “إسرائيل شاحاك” وهدفها تحويل إسرائيل إلى قوة عالمية من خلال نشر الفوضى في الدول العربية، وبالتالي إعدادُ المسرح في الشرق الاوسط للهيمنة الإسرائيلية..
ــ وهذه الاستراتيجية سبق وتحدّث عن شبيهٍ لها الأكاديمي الأمريكي “زبغنيو بريجنسكي” قبل أن يُصبح مستشار الرئيس كارتر لشؤون الأمن القومي، وذلك في كتابه (بين عصرين: دور أمريكا في العصر التكنوترونيك) BETWEEN TWO AGES: America’s Role in the Technotronic Era الصادر عام 1970 من القرن الماضي والذي دعا فيه للاعتماد على “الأصوليات الدينية” لمواجهةِ الخطر الماركسي، ودَعا لهيمنةِ رجال الدين واشعال حروب الأديان والطوائف، وتقوية التيارات الدينية (التي لا ترى العالَم إلا من زاويةِ الدِّين والمفاهيم والآيديولوجيات الدينية، وتُنادي للحُكم باسم الدين والشريعة الدينية، وترفعُ شعار “الحلُّ بالدِّين” أي بإقامةِ أنظمةِ حُكمٍ تحكُمُ باسم الشرع الديني.. وهذا ما نعيشهُ في هذا الزمن.. وأدى لِما نعيشهُ من تطرُّفٍ وتعصبٍّ وتكفيرٍ وإرهاب وشرذمات وصراعات طائفية..
ولكن أيُّ شرعٍ ديني يجب أن يحكُم؟
هل هو الشرعُ المُطبّقُ اليوم في أفغانستان، أم في إيران، أم في السعودية، أم في غزّة، أم في “إدلب” السورية، أم الشّرع الذي تُطبِّقهُ داعش وجبهة النُصرة وتنظيم القاعدة وبوكو حرام.. أم الشّرع الذي تدعو إليه جماعات الأخوان المسلمين، أم الأزهر، أم الطائفة الأحمدية، أم ماذا؟ فالإسلامُ باتَ عشرات، إن لم يكُن مئات الفِرَق، وكلٍّ منها تدّعي أنها هي الصحيحة وغيرها الخطأ..
إذا تطبيق حُكم الدِّين هو مشروعٌ مُعادٍ في هذا الزمن، وأقولُ في هذا الزمن، لأنه هذا هو السبيل الوحيد لتأجيج كافة الفِتن والصراعات والحروب، بإثارة الغرائز الطائفية الدينية والمذهبية التي تُخطّط لها دوائر الصهيونية العالمية في هذه المنطقة، المُتعدِّدة الديانات والمذاهب والأعراق والطوائف..
**
وقد دعا “بريجينسكي” سابقا في أحد تصريحاته إلى “تصحيح الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو ومقررات مؤتمر فرساي”.. وهذا لا يكونُ إلا وفقا لتقسيمات طائفية ودينية وعرقية.. فكيف هو السبيلُ للتمهيد لها.. إنهُ بكل ما يجري اليوم..
ــ ويُنقَل عن وزير الخارجية الأمريكي السابق هنري كيسنجر قولهُ: في هذه المنطقة تواجَدت كافّة الأديان السماوية ولا يمكن التعامُل معها الا من خلال الدِّين..
أي العزفُ على وتر الدين بالنسبة للصهيونية العالمية، هو المدخل الصحيح لتنفيذ مشاريعها في المنطقة..
ــ ولا ننسى في هذا الصدد المشروع الذي طرحهُ المستشرق الصهويني الأمريكي، البريطاني الأصل، بيرنار لويس، عن تقسيم المنطقة..
وفي مقابلةٍ لهُ في 20/5/2005 قال تماما ما يلي: (ان العرب والمسلمين قومٌ فاسدون ومُفسدون فوضويون، لا يمكن تحضّرهم، وإذا تُركوا لأنفِسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضِّر بموجاتٍ بشرية إرهابية تُدمِّر الحضارات وتُقوّض المجتمعات، ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم، وأنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية، ولا داعٍ لمُراعاة خواطرهم أو التأثُر بانفعالاتهم وردود الأفعال عندهم، ولذا يجب تضييق الخناق على هذه الشعوب ومحاصرتها واستثمار التناقضات العِرقية والعصبيات القبلية والطائفية فيها)..
**
دوائر الصهيونية العالمية، تُدرِكُ جيدا، أن خلاصَ شعوب هذه المنطقة، ودولها، من كافة صراعاتها السياسية والطائفية والدينية والمذهبية والعِرقية، سواء داخل الدول، أو فيما بين الدول، وتحقيقُ استقرارها ونموِّها وازدهارها، هو ليس في إقامة أنظمة دينية، وإنما العكس تماما، في إقامةِ أنظمةِ حُكمٍ مدنيةٍ (علمانيةٍ) يتساوى فيها الجميع على أساس المُواطَنَة، بغضِّ النظر عن أي انتماء فرعي، وتُحترَمُ قِيم الديمقراطية البرلمانية، والاحتكام دوما لصناديق الاقتراع، وليس للسلاح، وتسودها الحرية وحقوق الإنسان والقانون والعدالة وتكافؤ الفُرص، وتأخذُ فيها المؤسسات(البرلمانات والحكومات والنقابات والمنظمات ..الخ) دورها الكامل دون أي إعاقات، ويكون القضاءُ فيها مُستقلّا بالمُطلق، مع الفصل الكامل بين السُلطات الثلاث، وتُمارِسُ فيها الصحافة دورها بشكلٍ حُرٍّ دون أية عراقيل..
أي أنظمةُ حُكمٍ يكونُ الشعبُ فيها هو السيد وهو صاحبُ القرارُ الأول والأخير، وهو من يُنصِّب وهو من يُحاسِب ويُعفي من المنصب..
ولولا أن الغرب اعتمد هذا النوع من الأنظمة، وفصَلَ بين الدين والدولة، وبين الدين والسياسة، لكانت الحروب داخل بُلدانهِ حتى اليوم.. وما كان تحقّقَ له هذا الاستقرار والنمو والتطور والرفاهية، وما كان وُلِدَ هذا الاتحاد الأوروبي الذي فتحَ حدود كل دول أوروبا على بعضها بعضا بعد حروبٍ طاحنةٍ عبر التاريخ..
**
هذا ما يخشاهُ أولئك المتربصون في تفتيت هذه المنطقة، وهُم تحديدا دوائر الصهيونية العالمية الداعمة لإسرائيل (والاتهام هنا فقط لدوائر الصهيونية العالمية وليس لعموم الغرب، إذ أنّه من خلال تجربتي في المنظمات الدولية وعملي الدبلوماسي في الدول الغربية، فقد كنتُ ألمسُ دوما لدى هذا الغرب رغبةٌ في تشجيع الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان في الدول العربية، وغير العربية، وكانوا يأخذون دوما على الآخرين غياب الديمقراطية)..
**
وبالنسبة للدوائر الصهيونية العالمية، قيام هكذا أنظمةٍ يقطعُ على مخططاتهم كل الطُرقات في التفتيت.. لأن عوامل التفتيت سوف تغيب.. فهُم لا يخفون مخططاتهم تلك، وهي واضحةٌ للجميع، ولكن السؤال الكبير: أين هي عقولنا نحنُ كعربٍ ومُسلمين؟ هل نزعَتها شهوةُ السُلطة من داخلِ رؤوسنا؟
نعم هُم يُخطِّطون في دوائرِهم الصهيونية، وفي مراكز الأبحاث، ويتآمرون، وهذا من طبيعة الأشياء بين الأعداء والخصوم، ولكن هل كانوا سيفلحون لولا أن بُلداننا مكشوفة، وكافّة أبوابنا ونوافذنا مُشرّعةٌ لتدخُل منها كافة المُخططات بسببِ هذه الصراعات السياسية والطائفية والدينية والمذهبية والتهميش والإقصاء، على أساس الطائفة والدين والمذهب والعِرق والانتماء الحزبي والعشائري.. أو على أساس القريب والبعيد والولاءات الشخصية والمحاباة والمحسوبيات، والشمولية في تغييب الأحزاب السياسية والنشاط السياسي، وغياب صناديق الاقتراع التي تعطي الجميع حقوقهم وأحجامهم، فلا يشعرَ أيُّ طرفٍ بالظُلم والغُبنِ والتهميشِ، وبالتالي يضطرُّ إلى اللجوء لكافة الوسائل الأخرى لانتزاع حقوقه؟ لماذا سيلجأ أي طرف للعنف إن كان قادرٌ أن يأخذ حقّهُ ودورهُ عبر الصندوق؟
فإن كان العدو الصهيوني يُخطط لتقسيمنا وتفتيتنا كعربٍ، أو مُسلمين، فنحنُ الأيادي التي تُنفِّذُ له هذه المخططات.. ولذلك قبل أن نلوم العدو، فعلينا أن نلوم أنفسنا..
**
للأسف، كل التطورات، منذ قيام دولة إسرائيل عام 1948 كانت تصبُّ عموما في المصلحة الإسرائيلية.. لاسيما ما نراهُ في هذا الزمن، من حروب واقتتال وتناحُر وفوضى وتشرذم عربي.. والغرَقُ في صراعات دينية وطائفية.. ومع ذلك إسرائيل تتظاهر بالمسكَنة، وأنها هي المُهدَّدة، وليست المُهدِّدة، كما اشرتُ أعلاه..
فباستثناء بضعة دول عربية لا تتجاوزُ أصابع اليد الواحدة، هناك حالةٌ قويةٌ من التطبيع بين إسرائيل وباقي الدول العربية.. بل الاتفاقات المعقودة بينها وبين بعض الدول العربية تجاوزت كافة التوقعات، وفي كافة الميادين..
آخرها كان اتفاقية التجارة الحُرّة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في 31 أيار 2022.. وهذه أهمُّ اتفاقية منذ اتفاقية التطبيع بينهما في أيلول 2020..
وأشارت التوقعات أن تكون هناك 1000 شركة إسرائيلية تعمل بالإمارات أو عبرها، بحلول نهاية 2022.. وأفادت البيانات الإسرائيلية أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ 1,2 مليار دولارٍ في عام 2021، وسيبلغُ ملياري دولارٍ في 2022..
**
بعضُ المُحللين الاقتصاديين، تخوّفوا من نتائج هذه الاتفاقية وانعكاسها على مصر، بِحُكم الاتفاقات الاقتصادية المتعددة مع دولة الإمارات، وحجم الاستثمارات الإمارتية الضخمة في مصر.. لاسيما بعد التوقيع في أبو ظبي يوم الأحد 27 أيار 2022 على وثيقةِ مبادرةِ (الشراكة الصناعية التكامُلية لتنميةٍ اقتصاديةٍ مُستدامَة) بين مصر والإمارات والأردن.. لتطُلق الدول الثلاث مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي المشترك.. وهنا ستتداخلُ كافة الأمور ببعضها بعضا، بينها وبين إسرائيل، من خلال اتفاقية التجارة الحرة بين إسرائيل والإمارات..
**
يا ليت هؤلاء الاشقاء العرب، يلتفتون إلينا في سورية، ويُوظفون استثمارات، بٍرُبعِ ما وظّفوهُ في إسرائيل.. وتكون علاقتهم مع سورية، بِرُبع ما هي عليه مع إسرائيل..
إنه الزمنُ الرديءُ الذي صنعناه بأيادينا، كعربٍ ومسلمين.. فهل من أملٍ في يَقَظةٍ تقلب كل المعادلات؟ أم أنها أحلامُ يقظَةٍ؟
*كاتب سوري وزير مفوض دبلوماسي سابق
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر